وقال يرثي الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام :
قم ناشد الاسلام عن مصابه * أصيب بالنبي أم كتابه ؟ !
أم أن ركب الموت عنه قد سرى * بالروح حمولا على ركابه
بل قضى نفس النبي المرتضى * وأدرج الليلة في أثوابه
مضى على اهتضامه بغصة * غص بها الدهر مدى أحقابه ( 58 )
عاش غريبا بينها وقد قضى * بسيف أشقاها على اعترابه
لقد أراقوا ليلة القدر دما * دماؤها انصببن بانصبابه ( 59 )
تنزل الروح فوافى روحه * صاعدة شوقا إلى ثوابه
فضج والأملاك فيها ضجة * منها اقشعر الكون في إهابه ( 60 )
وانقلب السلام للفجر بها * للحشر اعولا على مصابه
الله نفس أحمد من قد غدا * من نفس كل مؤمن ( أولى به )
غادره ابن ملجم ووجهه * مخضب بالدم في محرابه
وجه لوجه الله كم عفره ( 61 ) * في مسجد كان ( أبا ترابه )
فاغبر وجه الدين لاصفراره * وخضب الايمان لاختضابه
ويزعمون حيث طلوا دمه * في صومهم قد زيد في ثوابه
والصوم يدعو كل عام صارخا * قد نضحوا دمي على ثيابه
إطاعة قتلهم من لم يكن ( 62 ) * تقبل طاعات الورى إلا به
قتلتم الصلاة في محرابها * يا قاتليه وهو في محرابه
وشق رأس العدل سيف جوركم * مذ شق منه الرأس في ذبابه ( 63 )
فليبك ( جبريل ) له ولينتحب * في الملأ الأعلى على مصابه
نعم بكى والعيث من بكائه * ينحب والرعد من انتحابه
منتدبا في صرخة وانما * يستصرخ ( المهدى ) في انتدابه
يا أيها المحجوب عن شيعته * وكاشف الغمى على احتجابه
كم تغمد السيف لقد تقطعت * رقاب أهل الحق في ارتقابه
فأنهض لها فليس إلاك لها * قد سئم الصابر جرع صابه ( 64 )
واطلب أباك المرتضى ممن غدا * منقلبا عنه على أعقابه
فهو كتاب الله ضاع بينهم * فاسال بأمر الله عن كتابه
وقل ولكن بلسان مرهف ( 65 ) * وأجعل دماء القوم في جوابه :
يا عصبة الالحاد أين من قضى * محتسبا وكنت في احتسابه
أين أمير المؤمنين أوما * عن قتله اكتفيت في اغتصابه
لله كم جرعة غيظ ساغها * بعد نبي الله من أصحابه
وهي على العالم لو توزعت * أشرقت العالم في شرابه
فانع إلى أحمد ثقل أحمد * وقل له يا خير من يدعى به
إن الألى على النفاق مردوا * قد كشفوا بعدك عن نقابه
وصيروا سرح الهدى فريسة * للغي بين الطلس من ذيابه ( 66 )
وغادروا حق أخيك مضغة * يلوكها الباطل في أنيابه
وظل ( 67 ) راعي افكهم يحلب من * ضرع لبون الجور في وطابه
فالأمة اليوم غدت في مجهل * ضلت طريق الحق في شعابه
عادوا بها بعدك جاهلية * مذ قتلوا الهادي الذي تهدى به
لم يتشعب في قريش نسب * الا غدا في المحض من لبابه
حتى أتيت فأتى في حسب * قد دخل التنزيل في حسابه
فيا لها غلطة دهر بعدها * لا يحمد الدهر على صوابه
مشى إلى خلف بها فأصبحت * أرؤسه تتبع من أذنابه
وما كفاه أن أرانا ضلة * وهاده تعلو على هضابه ( 68 )
حتى أرانا ذئبه مفترسا * بين الشبول ليثه في غابه
هذا أمير المؤمنين بعدما * ألجأهم للدين في ضرابه
وقاد من عتاتهم مصاعبا * ما أسمحت لولا شبا قرضا به ( 69 )
قد ألف الهيجاء حتى ليلها * أغرابه يأنس في عقابه
يمشي إليها وهو في ذهابه * أشد شوقا منه في إيابه
كالشبل في وثبته والسيف في * هبته والصل ( 70 ) في انسيابه
أرداه من لو لحظته عينه * في مأزق لفر من إرهابه
ومر من بين الجموع هاربا * يود أن يخرج من إهابه
وهو لعمري لو يشأ لم ينل * ما نال أشقى القوم في آرابه
لكن غدا مسلما محتسبا * والخير كل الخير في احتسابه
صلى عليه الله من مضطهد * قد أغضبوا الرحمن في اغتصابه
هامش
58 الأحقاب : السنون ، والحقب يقال ثمانون سنة .
59 وفي نسخة : في انصبابه .
60 الإهاب : الجلد .
61 عفره : في التراب مرغه ودسه فيه .
62 وفي نسخة : تكن .
63 الذباب طرف السيف الذي يضرب به .
64 الصاب : المر .
65 المرهف : السيف .
66 الذئاب : جمع ذئب حيوان مفترس .
67 ظل : بقي ، دام .
68 الهضاب : أعالي الجبال ، والهضبة : الجبل المنبسط على وجه الأرض وقيل : الجبل
الطويل الممتنع المنفرد ، وقيل : ما ارتفع من الأرض .
69 القرضاب : السيف القطاع .
70 الصل : الحية الخبيثة جدا .