وقال مخمسا قصيدة صديقه الشاعر عبد الباقي العمري في مدح النبي ( ص ) :
تعاليت من فاتح خاتم * عليم بما كان من عالم
فيا صفوة الله من ( هاشم ) * ( تخيرك الله من ( آدم )
( وآدم ) لولاك لم يخلق )
بك الكون آنس منه مجيئا * وفيك غدا لابه مستضيئا
لأنك مد جاء طلقا وضيئا * ( بجبهته كنت نورا مضيئا
كما ضاء تاج على مفرق )
فمن أجل نورك قد قربا * إله السما ( آدما ) واجتبى
نعم والسجود له أوجبا * ( لذلك ( إبليس ) لما أبى
سجودا له بعد طرد شقي )
وساعة أغراه في إفكه * بأكل الذي خص في تركه
عصى فنجى بك من هلكه * ( ومع ( نوح ) إذ كنت في فلكه
نجى وبمن فيه لم يغرق )
( وسارة ) في ظلك المستطيل * غداة غدا حملها مستحيل
( بإسحاق ) بشرها ( جبرئيل ) * ( وخلل نورك صلب ( الخليل )
فبآت وبالنار لم يحرق )
حملت بصلب أمين أمين * إلى أن بعثت رسولا مبين
وهل كيف يحمل في المشركين * ( ومنك التقلب في الساجدين
به الذكر أفصح بالمنطق )
براك المهيمن إذ لا سماء * ولا أرض مدحوة لا فضاء
ومذ خلق الخلق والأنبياء * ( سواك من الرسل في ( ايلياء ) ( 394 )
مع الروح والجسم لم يلتق )
وكل رأى الله لم يحذه * علاك وعلمك لم يغذه
فنزه عهدك عن نبذه * ( فجئت من الله في أخذه
لك العهد منهم على موثق )
صدعت به والورى في عماء * فحفت بمجدك جند السماء
ورف عليك لواء الثناء * ( وفي الحشر للحمد ذاك اللواء
على غير رأسك لم يخفق )
وحين عرجت لأسنا مقام * وأدناك منه إله الأنام
أصبت بمرقاك أعلى المرام * ( وعن غرض القرب منك السهام
لدى قاب قوسين لم تمرق )
وقدما بنورك لما أضاء * رأت ظلمة العدم الانجلاء
فمن فضل ضوئك كان الضياء * ( لقد رمقت بك عين العماء
وفي غير نورك لم ترمق )
أضاء سناك لها مبرقا * وقابل مرآتها مشرقا
إلى أن أشاع لها رونقا * ( فكنت لمرآتها زيبقا
وصفو المرايا من الزيبق )
بك الأرض مدت ليوم الورود * وأضحت عليها الرواسي ركود
وسقف السما شيد لا في عمود * ( فلولاك لانطم هذا الوجود
من العدم المحض في مطبق )
ولولاك ما كان خلق يعود * لذات النعيم وذات الوقود
ولا بهما ذاق طعم الخلود * ( ولا شم رائحة للوجود
وجود بعرنين مستنشق
ولو لم تجدك لمولوده * أبا أم أركان موجوده
إذا عقمت دون توليده * ولولاك طفل مواليده ( 395 )
بحجر العناصر لم يبغق ( 396 )
ولولاك ثوب الدجى ما انسدل * ونور سراج الضحى ما اشتعل
ولولاك غيث السماء ما نزل * ( ولولاك رتق السماوات وال
أراضي لك الله لم يفتق
ففيك السماء علينا بنى * وذي الأرض مد فراشا لنا
فلولاك ما انخفضت تحتنا * ( ولولاك ما رفعت فوقنا
يد الله فسطاط إستبرق )
ولا كان بينهما من ولوج * لغيث تحمل ماء يموج
ولا انتظم الأرض ذات الفروج * ( ولا نثرت كف ذات البروج
دنانير في لوحها الأزرق )
ولا سير الشهب ذات الضياء * بنهر المجرة رب العلاء
ولا ينش نوتي زنج المساء * ( ولا طاف من فوق موج السماء
هلال تقوس كالزورق )
ولولاك وشي الرياض اضمحل * ولا طرز الطل منه حلل
وفيهن جسم الثرى ما اشتمل * ( ولولاك ما كللت وجنة ال
بسيطة أيدي الحيا المغدق )
ولولاك ما فلت الغاديات * بأنمل قطر نواصي الفلاة
ولا الرعد ناغى جنين العضات * ( ولا كست السحب طفل النبات
من اللؤلؤ الرطب في بخنق ( 397 )
ولا صدغ آس بدى في ربى * على ورد خد غدا مذهبا
ولا ربحت قد غصن صبا * ( ولا اختال نبت ربي في قبا
ولا راح يرفل في قرطق ( 398 )
أفضت نطاف ندى دافقات * بها اخضر غرس رجا الكائنات
فلولاك ما سال وادي الهبات * ( ولولاك غصن نقى المكرمات
وحق أياديك لم يورق
لك الأرض أنشأ علامها * وقد نصبت لك أعلامها
فلولاك لم ينخفض هامها * ( وسبع السماوات أجرامها
لغير عروجك لم تخرق
ولولاك ( يونس ) ما خلصا * من الحوت حين دعا مخلصا
( وعيسى ) لما أبر الأبرصا * ( ولولاك مثعنجر ( 399 ) بالعصا
لموسى بن عمران لم يفلق )
ولا يوم حرب على الشرك فاظ * بسيف هدى مستطير الشواظ
ولا أنفس الكفر أضحت تفاظ * ( ولولاك سوق عكاظ الحفاظ
على حوزة الدين لم ينفق )
بحبل الهدى كم رقاب ربقت * وكم لبني الشرك هاما فلقت
وكم في العروج حجابا خرقت * ( وأسرى بك الله حتى طرقت
طرائق بالوهم لم تطرق
لقد كنت حيث تحير العقول * بشأو على ما إليه وصول
فأنزلك الله هاد رسول * ( ورقاك مولاك بعد النزول
على رفرف حف بالنمرق )
لك الله أنشأ من الأمهات ( 400 ) * كرائم ما مثلها محصنات
ومذ زوجت بالكرام الهداة * ( بمثلك أرحامها الطاهرات
من النطف الغر لم تعلق )
لحقت وإن كنت لم تعنيق ( 401 ) * بشأو به الرسل لم تعلق
وأحرزت قدما مدى الأسبق * ( فيا لاحقا قط لم يسبق
ويا سابقا قط لم يلحق )
خلقت لدين الهدى باسطا * لنا ، وبأحكامه قاسطا
وحيث صعدت على شاحطا * ( تصوبت من صاعد هابطا
إلى صلب كل تقي نقي )
هبطت بأمر العلي الودود * إلى عالم عالم بالسعود
ونورك سام لاعلى الوجود * ( فكان هبوطك عين الصعود
فلا زلت منحدرا ترتقي )
هامش
394 ايلياء : مدينة القدس .
395 يقصد بالمواليد : المواليد الثلاثة عند الحكميين : الحيوان والنبات والجماد .
وبالعناصر : العناصر الأربعة . الماء والهواء والتراب والنار .
396 هكذا ضبطت الكلمة في كل من النسختين المطبوعتين والخطية والعقد المفصل أيضا ،
ولعله استعمل اللفظة العامية لصوت الطفل . أو لعل نقطة الغين زائدة فتكون ( يبعق ) من
البعاق وهو شدة الصوت .
397 البخنق : خرقة تلفها الجارية تحت الخمار .
398 القرطق : قباء ذو طاق واحد ( معرب ) .
399 المثعنجر : بالفتح وسط البحر . يشير إلى قصة موسى .
400 وفي نسخة : أنشأ من أمهات .
401 العنق محركة : السير السريع .