وبالجملة الفرق بين التعارض والتزاحم ظاهر ، حيث إن التعارض هو تنافي الحكمين في مرحلة الجعل والتشريع ، بخلاف التزاحم ، فإنه تنافي الحكمين في مرحلة الامتثال الناشئ من عجز المكلف ، فلا يوجب ذلك تنافي دليليهما المتكفل لجعل الحكمين المشروطين بالقدرة ، ولذلك ترى اختلاف التزاحم باختلاف المكلفين ، فقد يكون حكمان متزاحمين بالقياس إلى أحد ، وغير متزاحمين بالقياس إلى الآخر ، كوجوب إنقاذ الغريقين مثلا إذا تمكن أحد من إنقاذهما معا ، أو تمكن أحد من إنقاذ الغريق من دون أن يغصب دون غيره ، وهذا واضح . ولكن المحقق النائيني ذكر إمكان وقوع التزاحم بين حكمين في مقام الجعل من دون ان يكون التنافي ناشئا من عدم قدرة المكلف على امتثالهما ( 1 ) . ومثل له بما إذا ملك أحد خمسا وعشرين من الإبل ، فلما مضى عليها ستة أشهر ملك إبلا آخرا ، فصاروا ستا وعشرين ، فإذا مضى من أول الحول سنة كاملة تحقق موضوع النصاب الخامس ، وفيه خمس شياة ، فإذا مضى بعد ذلك ستة أشهر ، أي ثمانية عشر شهرا من أول الحول ، تحقق النصاب السادس ، وهو مضي الحول على ست وعشرين ، وفيه بنت مخاض . ومن الظاهر أن ما كان من الإبل متمما لأحد النصابين لا يكون متمما للنصاب الآخر ، فيقع التزاحم بين وجوب أداء خمس شياة في آخر الحول ووجوب دفع بنت مخاض في نهاية حول النصاب السادس . وبعبارة أخرى : لا بد من رفع اليد عن الإبل الواحد الَّذي ملكه في أثناء الحول وفرضه كأن لم يكن ، أو رفع اليد عما ملكه قبل ذلك . ومن الظاهر أن التنافي في المثال ليس ناشئا من عجز المكلف ، لتمكنه من دفع خمس شياة وأداء بنت مخاض أيضا ، بل التنافي يكون في مرحلة الجعل ، للعلم بعدم جعل أحد الحكمين .
دراسات في علم الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 347
مساهمون: السيد علي الهاشمي الشاهرودي
ص٣٤٧
هامش
( 1 ) أجود التقريرات : 2 - 504 .