لا يكون بينهما منافاة وتناقض أصلا ، لأن ما يثبته الدليل الأول وهو الحكم لا ينفيه هذا ، وما ينفيه هذا وهو الموضوع لم يكن ذاك مثبتا له ، كما في قوله تعالى * ( وحرم الرّبا ) * ( 1 ) وقوله عليه السّلام « لا ربا بين الوالد والولد » فان الرّبا بين الزيادة وان كانت موجودة بينهما وجدانا ، إلَّا أن الشارع نفاها تعبدا . وكذا قوله عليه السّلام « ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه » ( 2 ) مع أدلة الشكوك إلى غير ذلك . وفي الموضوعات كما إذا أخبرت البينة بنجاسة إناء زيد ، وأخبرت بينة أخرى بان هذا ليس بإنائه ، فلا تهافت بين البينتين ، ولذا إذا حكم الإمام عليه السّلام بوجوب الصلاة عند طلوع الفجر مثلا ، فأخبرت البينة بعدم طلوع الفجر ، لم تكن البينة مخالفة لحكم الإمام عليه السّلام . فالميزان في الحكومة ان يكون الدليل نافيا لموضوع الدليل الآخر تعبدا بحيث لم يكن بينهما تهافت . وعليه ففي ما نحن فيه دليل الاستصحاب وهو لا تنقض اليقين بالشك انما هو متكفل لحرمة النقض على تقدير تحقق موضوعه أعني اليقين والشك ، وأما إثبات الشك في مورد دون آخر فهو خارج عن مدلوله ، ولا يكون متكفلا له . ودليل الأمارة ينفي الشك واحتمال الخلاف تعبدا في مورد قيام الأمارة ، فلا تنافي بينهما ، بل يكون دليل الأمارة حاكما على دليل الأصل ، ورافعا لموضوعه تعبدا ، وهذا من غير فرق بين كون الأمارة مخالفة في المؤدى مع الاستصحاب ، أو موافقة معه ، لعدم بقاء موضوع الاستصحاب معها . فلا وجه لما في الكفاية من لزوم اعتبار الاستصحاب حينئذ مع الأمارة على طبقه ( 3 ) . والظاهر أنه ناظر إلى ما ذكره الشيخ في وجه حكومة الأمارة على
دراسات في علم الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 249
مساهمون: السيد علي الهاشمي الشاهرودي
ص٢٤٩
هامش
( 1 ) البقرة : 275 .
( 2 ) وسائل الشيعة : 5 - باب 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، ح 8 .
( 3 ) كفاية الأصول : 2 - 350 .