فترك بعض ما اعتبره ، واعتبر بعض ما تركه .
وكذا الشيخ لم يعتمد عليهما ، وهكذا الحال فيمن قبل المحمّدين الثلاثة من المشايخ .
فإذا كان دأب قدمائنا ذلك ، فكيف يبقى لنا وثوق بنقدهم وانتخابهم ؟
فلو فرضنا وسلّمنا قطعيّة صدور كلّ ما أُخذ من تلك الكتب المُجْمَع على ثبوتها ،
كيف يحصل لك العلم بأنّ الصدوق - مثلا - نقل هذه الرواية المخصوصة من تلك
الكتب لا غيرها - غير عدم التصريح بالأخذ - ؟
وعلى فرض التصريح ؛ فمن المحتمل الامتزاج ، واحتماله ينافي القطعيّة - سيّما
احتمال السَّهو - والشبهة يؤيّدها الغفلة البتّة .
وأمّا عن الوجه الثاني : فنمنع حصول العلم بالأصول الصحيحة الثابتة ، بل
اشتهارها - بما [ أنّه ] كانت تلك الأُصول مشهورة - كاف في الاعتماد عليها في النقل ، كما
تُرشد إليه عبارة الصدوق من : " أنّ أخبار كتابنا مأخوذة من كتب مشهورة " .
فيلزم منه أنّ بناءَهم على جواز العمل بما هو المعوَّل والمعتَمَد - وإن لم يفد منه
العلم - .
وأمّا بناؤهم على تحصيل العلم حتّى في زمان النقل ؛ فغير ثابت ، وعلى المستدلّ
الإثبات .
وأمّا قوله رحمه الله : " إنّ أصحاب الكتب الأربعة لم يقصّروا في ذلك ، ولو قصّروا
لم يشهدوا بصحّة تلك الأخبار ، كما هو المعلوم من حال أرباب السِّيَر والتواريخ " ففيه
ما عرفت [ من ] أنّهم في مقام بيان ما أفتَوا به ، وأنّه حجّةٌ بينهم وبين الله ، لا في مقام
الشهادة [ ب ] أنّ تلك الأخبار صحيحة ، وأنّها قطعيّة الصدور .
مضافاً إلى عدول الصدوق - في أثناء الكتاب - [ عن ذلك ] بخلاف ما تعهّد به في
المقدّمة .
ولعلّ دأب أغلب القدماء ، ورَوِيَّة جُلّ المشايخ كان مثل عادة كلّ واحد من الشيوخ
الثلاثة ؛ بأنْ لم يَرْوِ ثقة الإسلام جميعَ الأخبار المودَعة في الأُصول الأربعمائة ، كما أنّ
رسائل في دراية الحديث — صفحة 263
مساهمون: أبو الفضل حافظيان البابلي
ص٢٦٣