ترجيح أحد الخبرين موافقته للشهرة أو الكتاب أو مخالفته للعامة ، والخبران في
المقام متكافئان من هذه الجهات ، إذ كلاهما مشهوران بين الأصحاب وقد أفتوا
بمضمونهما بحيث يكشف بذلك صدورهما وجواز العمل بهما ، وليس في الكتاب اسم
من حدّ ترخص البلد حتى يحكم بموافقة أحد الخبرين له أو بمخالفته ، والحكم
باعتبار حدّ الترخص من متفردات الإمامية ، وأما الجمهور فقد تسالموا تقريباً على
ثبوت القصر بصرف الخروج من البلد ( 1 ) ، فليس أحد الخبرين موافقاً للعامة حتى
يطرح لذلك .
فتعين الجمع أو التخيير الظاهري ، وقد عرفت أنّ الجمع إذا كان جمعاً عرفياً مقدم
على التخيير ، فيجب بيان طرق الجمع في المقام وقد عرفت أنّها ثلاثة : 1 - التخيير
الواقعي ، نظير خصال الكفارة . 2 - تقييد المنطوقين . 3 - تقييد المفهومين :
أمّا الأوّل فيرد عليه أنّ التخيير الواقعي إنّما يتصور في الحكم التكليفي كوجوب
إحدى الخصال ووجوب إنقاذ أحد الغريقين مثلا ، وأما في التحديدات فلا يعقل ولا
يتصور ، اللّهم إلاّ إن يقال برجوع التخيير بين الحدّين في المقام إلى تخير المكلف بين
القصر والإتمام في الصلوات التي يأتي بها بين الحدين . هذا . ولكن يرد عليه أيضاً أنّه
ليس جمعاً عرفياً ، إذ المركوز في أذهان أصحابنا كان تعين القصر على المسافر في
هامش
1 - قال ابن رشد في البداية - ج 1 ص 145 - ما حاصله : " أنّ مالكاً قال في الموطأ : لا
يقصّر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية ، ولا يتمّ حتى يدخل أوّل
بيوتها ، وقد روي عنه أنّه لا يقصّر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال ،
وبالقول الأوّل قال الجمهور . "
ولكن في الخلاف - ج 1 ص 572 - ( المسألة 324 ) : " إذا نوى السفر لا يجوز أن يقصّر
حتى يغيب عنه البنيان ويخفى عنه أذان مصره أو جدران بلده ، وبه قال جميع الفقهاء . وقال
عطاء : إذا نوى السفر جاز له القصر وإن لم يفارق موضعه . "
ولا يخفى ما في النقلين من التهافت ، فراجع . ح ع - م .