تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
بمعنى عدم ملاحظة مصلحة الواقع أصلا على القول بالتّصويب إلى غير ذلك ممّا يتوجّه عليه هذا بعض الكلام فيما يقتضيه الأصل في المسألة ثمّ إنّ في كلماتهم جملة من الوجوه للقول بوجوب التّرجيح غير الأخبار والإجماع والأصل لا بأس بالتّعرض لها والإشارة إلى ما يتوجّه عليها فمنها : ما عن النّهاية والأحكام من تقرير النّبي صلى الله عليه وآله معاذا لمّا بعثه قاضيا إلى اليمن في ترتيب الأدلَّة وتقديم بعضها على بعض ومنها : دلالة الكتاب على ذلك فإنّ لازم ترك التّرجيح التّخيير والتّسوية بين خبر الفاسق والعادل والعالم والجاهل وهو منفيّ بقوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا وقوله تعالى هل يستوي الَّذين يعلمون والَّذين لا يعلمون ومنها : أنّه لو لم يجب العمل بالرّاجح وجاز التّخيير لم يجب تخصيص عامّ بخاصّ ولا تقييد مطلق بمقيّد ولا تأويل ظاهر بالأظهر وذلك هدم للدّين وتضييع لشريعة سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله وإبطال لمنهاج الأئمّة المعصومين صلوات اللَّه عليهم أجمعين لأنّ معظم الأدلَّة الشّرعيّة متعارضة فيلزم من ترك التّرجيح المحظور المذكور وبطلان التّالي من جهة وضوحه لا يحتاج إلى البيان وهذا هو المراد ممّا ذكره جماعة من لزوم الهرج والمرج والفقه الجديد من ترك التّرجيح كما في الكتاب وإلَّا فالقائل بعدم وجوب التّرجيح لا يعترف بثبوت التّرجيح في الشّرع حتّى يلزم من تركه بطلان الدّين نعم ؛ لمّا كان التّرجيح بالمرجّحات المذكورة ممّا لا يقبل الإنكار استدلّ به على لزومه ومن هنا أجاب شيخنا العلَّامة عن هذا الوجه في الكتاب بأنّ الظَّاهر خروج هذا النّحو من المتعارضات عن محلّ الكلام فإنّ التّرجيح بينها من الجمع الَّذي تقدّم تقديمه على الطَّرح ترجيحا وتخييرا عندهم فلا يلزم من ترك التّرجيح التّخيير بين المتعارضات المذكورة حتّى يلزمه المحظور المذكور ومنها : ما في كتب جماعة من الخاصّة منهم العلامّة في النّهاية والتّهذيب والعامّة من أنّه لو لم يجب ترجيح الرّاجح يلزم إمّا ترجيح المرجوح أو التّسوية بينهما وهما قبيحان بضرورة العقل ومن هنا ذكر في محكيّ الأحكام أنّه إذا كان أحد الدّليلين راجحا فالعقلاء يقدّمونه ويرجّحونه بعقولهم وفي محكيّ شرح المبادي أنّه لو لم يجب العمل بالرّاجح فإمّا يعمل بالمرجوح أو بهما معا أو لا يعمل بشيء منهما والكلّ باطل فيتعيّن العمل بالرّاجح ومنها : ما تمسّك به في محكيّ النّهاية وغاية البادي من أنّه إذا وقع التّعارض بين الظَّنين وترجّح أحدهما كان العمل به متعيّنا عرفا فيجب شرعا لقوله صلى الله عليه وآله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن وفي محكيّ الأحكام الأصل تنزيل التّصرّفات الشّرعيّة منزلة التّصرّفات العرفيّة ولهذا قال صلى الله عليه وآله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن ومنها : أنّه لو وجب التّخيير أو التّوقف لزم ارتكاب تخصيصات كثيرة لا تحصى فيما دلّ من العمومات على حجّيّة الظَّنون كآية النّبأ وغيرها وهو مع كونه خلاف الأصل في غاية البعد والفساد لأدائه إلى سقوط فائدة تلك العمومات لا يقال : تلك العمومات كما تدلّ على حجّيّة الرّاجح كذلك تدلّ على حجّيّة المرجوح من غير فرق فإنّ آية النّبأ تدلّ على قبول خبر الأعدل والعادل بدلالة واحدة لأنّا نقول : إذا فسد احتمال التّخيير والتّوقّف بما بيّناه لزم التّخصيص في تلك العمومات قطعا ولا يمكن إخراج الرّاجح إلَّا بتعيّن العمل بالمرجوح وهو مع قبحه عقلا مجمع على بطلانه فتعيّن إخراج المرجوح وإبقاء الرّاجح فيجب العمل به إلى غير ذلك ممّا ذكره في المفاتيح ممّا يقرب من تلك الوجوه أو يرجع إليها والإنصاف تطرّق المناقشة إلى جميعها حتّى قاعدة بطلان ترجيح المرجوح من حيث قبحه في مقام وامتناعه في مقام آخر وإن جمع بين القبح والامتناع بعض فقال بقبحه بل امتناعه مع عدم إمكان اجتماعهما فإنّه في مقام التّشريع قبيح لا محال وفي مقام التّكوين محال لا قبيح كما هو ظاهر فإنّ المكلَّف لا يختار الموهوم ولا المظنون إلَّا لمرجّح وغرض وإلَّا امتنع اختياره والشّارع لا يحكم بالموهوم إلَّا لمرجّح عنده فالصّغرى ممنوعة على كلّ تقدير فلو قام هناك دليل على كون المظنون راجحا عند الشّارع فهو يغني عن القاعدة جدّا ومن هنا ورد في الشّرع النّهي عن اتّباع الظَّن وكذا لو قام هناك دليل عقلا عليه كما إذا قلنا بتماميّة مقدّمات الانسداد المنتجة لحجّيّة مطلق الظَّن حسبما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة والإنصاف أنّ صرف الوقت في بيان فساد الوجوه المذكورة ممّا لا ينبغي فإنّ العمدة ما عرفت من الوجوه الثّلاثة وفيها غنى وكفاية لأنّ الأخبار على ما ستقف عليه واضحة الدّلالة عليه وكذا انعقاد الإجماع عليه قولان وعملا ممّا لا شبهة فيه ولو لم يكن إلَّا الإجماعات المنقولة البالغة حدّ التّواتر كفت في حصول القطع منها بتحقّق الإجماع ولا يقدح مخالفة قليل ممّن لا يعتنى به كما أنّه لا يقدح عدم تمسّك كثير في المقام بالأخبار مع بلوغها حدّ التّواتر مع أنّ فيها الأخبار المعتبرة فيشبه المقام من هذه الجهة بالاستصحاب فإنّه مع ورود الأخبار الكثيرة وفيها الصّحاح وغيرها لم يتمسّكوا له بالأخبار فكأنّهم أرادوا في المقامين النّسج على طريقة العامّة ثمّ إنّ كلماتهم وإن كانت مختلفة من حيث مورد الإجماع من جهة أنّه خصوص الأخبار أو مطلق الظَّنين إلَّا أنّه لا يقدح فيما نحن بصدده من وجوب التّرجيح في الجملة قال في محكي المبادي أنّ إجماع الصّحابة وقع على ترجيح بعض الأخبار على بعض انتهى