بالدّوام فالدّوام موافق للأصل لا مخالف له ومن هنا قد توهّم كون قول مدّعي الدّوام موافقا للأصل في باب التّداعي لأنّ ذلك مفروض فيما كان من قصده الانقطاع لكن أوجد النّكاح وأنشأه باللَّفظ الَّذي يحصل به كلّ من إنشاء الدّوام والانقطاع المشترك بينهما مع عدم ذكر الأجل عقيب الإنشاء فيحكم بتحقّق الدّوام وأنّه المنشأ المقصود من الإنشاء وإن كان غرضه وقصده قبل العقد تعلَّق بإيجاد الانقطاع ومثل هذا كثير في باب العقود فإنّ الأغراض المقصودة للعاقد في باب الوقف وغيره لا يوجب تقييد متعلَّق العقد ما لم تنشأ بألفاظ دالَّة عليها في ضمن العقد بل التّباني على خصوصيّة وشرط قبل العقد لا تفيد في صرف العقد إليه ما لم يذكر في طيّ العقد فليس الغرض من كلماتهم حصول الدّوام قهرا من حيث كونه نقيض الانقطاع لا ضدّه بل المراد استكشاف إنشاء الدّوام الَّذي هو ضدّ الانقطاع من اللَّفظ فالمراد من الانقلاب هو الانقلاب بحسب القصد بمعنى عدم وقوع المقصود لا الانقلاب بحسب الإنشاء بمعنى عدم وقوع المنشأ ووقوع غيره حتّى يكون منافيا للقاعدة المسلَّمة عندهم من تبعيّة العقود للقصود بعد حملها على ما فصّلنا القول فيه في باب المكاسب من تبعيّتها للقصود الإنشائيّة فلا تنافي عدم وقوع مقصود لم ينشأ بألفاظ العقود مع وقوع ما تعلَّق القصد الغير الإنشائي بغيره وإن كان مقصودا بالإنشاء ؛ فتدبّر
هذا كلَّه مع أنّ البحث عن المثال المذكور في الفرض لا ينحصر فيما ذكر من الفرض من العلم بإيجاد العقد باللَّفظ الَّذي يحصل به كلّ من الأمرين فيفرض البحث فيما دار الأمر بينهما بين لفظ لا يحصل به الانقطاع كمتّعت ولفظ لا يحصل به إلَّا الدّوام كأنكحت هذا وأمّا ما أفاده بقوله ولك أن تقول بتساقط الأصلين في هذه المقامات إلى آخر ما أفاده فهو مبنيّ على القول باعتبار الأصول المثبتة الَّذي قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه فإنّه على هذا القول يتعارض الأصلان بالنّسبة إلى الحادثين المردّدين ويتعيّن الرّجوع إلى الأصل بالنّسبة إلى آثار ما له أثر منهما فيتّحد حكما مع القول باختصاص الأصل بما له أثر كما عرفت الإشارة إليه في مطاوي كلماتنا السّابقة لكنّه لمّا لم يكن متّحدا حكما معه بالنّسبة إلى جميع الصّور حيث إنّ المرجع على تقدير تساقط الأصلين بالنّسبة إلى واجدي المني قاعدة الاشتغال ويحصل الجزم بالطَّهارة استدركه بقوله إلَّا أنّ ذلك إنّما يتمشّى إلخ فالمراد من أصالة الطَّهارة هو استصحابها من الحدث والنّجاسة معا بالنّسبة إلى النّفس والبدن
ثمّ إنّك قد عرفت من مطاوي كلماتنا أنّه فيما لو علم بوجود أحد الحادثين مع عدم ترتّب أثر شرعيّ على مجرى أحد الأصلين فيه لا يكون مطَّردا فقد لا يترتّب عليه الأثر في حال ويترتّب عليه في حالة أخرى كما مثّلناه لك بواجدي المني فيما لو أراد أحدهما الائتمام بالآخر أو أراد ثالث الائتمام بهما في صلاتين مع كون طهارة الإمام شرطا واقعيّا الصلاة المأموم فإنّ استصحاب الطَّهارة في حقّ الإمام في كلّ من الصّورتين سليم عن المعارض وفي حقّ المأموم معارض لا يجوز له الأخذ بشيء منهما فلا يجوز له الائتمام أصلا ولو بأحدهما فضلا عن الائتمام بهما وعليك بعرض جميع ما يرد عليك من صور
الشّك في تعيين الحادث على الصّور المذكورة الَّتي ذكرناها لك من باب الضّابطة الكلَّيّة لأحكام الجزئيّات وقد أشار شيخنا الأستاذ العلَّامة إلى ما ذكرنا بقوله ثمّ لو فرض في هذه الأمثلة أثر لذلك الاستصحاب الآخر إلى آخر ما أفاده فإنّه محمول على ما ذكرنا من الشّرح والبيان كما أنّ قوله ولا عبرة بغير المعتبر كما في الشّبهة الغير المحصورة محمول على القول بجواز المخالفة القطعيّة فيها لا على ما اختاره فيها من عدم جريان الأصل فيها غاية ما هناك قيام الإجماع على عدم وجوب الموافقة القطعيّة فيها
قوله : والعلماء وإن كان ظاهرهم الاتّفاق إلخ
أقول : الأمر كما أفاده من ظهور اتّفاقهم على عدم وجوب الفحص في أعمال الاستصحاب وغيره من الأصول في الشّبهات الموضوعيّة في غير ما يكون بيانه من الشّارع من جهة اختصاص علمه به كالمسوخات بل الأمر كذلك في أعمال الأمارات فيها وقد تقدّم شرح القول فيه في أواخر الجزء الثّاني من التّعليقة وهو المستظهر من ظواهر أخبار الأصول بل تصريح بعضها ولازم ذلك كما صرّح به في الكتاب جواز أعمال العامي لها من دون أخذ جزئيّاتها من المجتهد ومن دون فحص عن الواقع الأوّلي وعن الأمارات الحاكمة أو الواردة على الأصول فضلا عن الأصول الحاكمة بعضها على بعض إلَّا أنّه إذا اتّفق له مورد يجري فيه الأصلان لا يعلم حالهما من حيث دخولهما فيما ذكرنا لك من الصّور فلا بدّ له من الرّجوع إلى المجتهد فإنّه حقيقة من الرّجوع إليه في تحصيل الحكم الشّرعي لا الموضوع الخارجي فلو اشتبه عليه الحاكم من الاستصحابين فلا بدّ له من الرّجوع إلى المجتهد لا أنّه يجب عليه تحصيل الحاكم من الخارج وتحقيق وجوده وتثبيته بالفحص مع علمه بالحكم فإذا أراد الرّجوع إلى قاعدة الطَّهارة في مشكوك الطَّهارة فكما لا يجب عليه الفحص عن الواقع كذلك لا يجب عليه
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 232
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٣٢