وفربا ( 1 ) ومعناه النائب . ولما وصلناها جعل التجار أمتعتهم في رحبة وتكفل لسودان بحفظها وتوجهوا إلى الفربا وهو جالس على بساط في سقيف أعوانه بين يديه بأيديهم الرماح والقسي وكبراء مسوفة من ورائه . ووقف التجار بين يديه وهو يكلمهم بترجمان على قربهم منه احتقاراً لهم . فعند ذلك ندمت على قدومي بلادهم لسوء أدبهم واحتقارهم للأبيض . وقصدت دار ابن بداء وهو رجل فاضل من أهل سلا كنت كتبت له أن يكتري لي داراً ففعل ذلك . ثم إن مشرف ايوالاتن ويسمى منشاجو ( 2 ) استدعى من جاء في القافلة إلى ضيافته فأبيت حضور ذلك . فعزم الأصحاب علي أشد العزم فتوجهت فيمن توجه . ثم أتي بالضيافة وهي جريش أنلي مخلوطاً بيسير عسل ولبن قد وضعوه في نصف قرعة صيروه شبه الجفنة فشرب الحاضرون وانصرفوا . فقلت لهم : ألهذا دعانا الأسود قالوا : نعم وهي الضيافة الكبيرة عندهم . فأيقنت حينئذ أن لا خير يرتجى منهم وأردت أن أسافر مع حجاج ايوالاتن ثم ظهر لي أن أتوجه لمشاهدة حضرة ملكهم . وكانت إقامتي بايوالاتن نحو خمسين يوماً . وأكرمني أهلها وأضافوني . منهم قاضيها محمد بن عبد الله بن ينومر وأخوه الفقيه المدرس يحيى . وبلدة ايوالاتن شديدة الحر وفيها يسير نخيلات يزرعون في ظلالها البطيخ . وماؤهم من أحساء بها ولحم الضأن كثير بها . وثياب أهلها حسان مصرية وأكثر السكان بها من مسوفة . ولنسائها الجمال الفائق وهن أعظم شأناً من الرجال .
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 661
مساهمون: ابن بطوطة
ص٦٦١
وشأن هؤلاء القوم عجيب وأمرهم غريب فأما رجالهم فلا غيرة لديهم ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه . وذلك شيء ما رأيته في الدنيا إلا عند كفار بلاد المليبار من الهنود . وأما هؤلاء فهم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن . وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات .
هامش
( 1 ) بفتح الفاء وسكون الواو وفتح الباء الموحدة
( 2 ) بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجم وألف وجيم مضموم وواو