لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأمور - وهو الشفاعة - إلّا من بعد إذنه تعالى فهو سبحانه هو السبب الأصلي الذي لا سبب بالأصالة دونه ، ومن دونه من الأسباب أسباب بتسبيبه وشفعاء من بعد إذنه .
وإذا كان كذلك كان اللّه تعالى هو ربكم الذي يدبر امركم لا غيره مما اتخذتموها أربابا من دون اللّه وشفعاء عنده ، وهو المراد بقوله :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ »
أي هلا انتقلتم انتقالا فكريا إلى ما يستنير به أن اللّه هو ربكم لا رب غيره بالتأمل في معنى الألوهية والخلقة والتدبير .
وقد تقدم الكلام في معنى العرش والشفاعة والإذن وغير ذلك في ذيل قوله :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
( الأعراف / 54 ) في الجزء الثامن من الكتاب .
قوله تعالى :
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
تذكير بالمعاد بعد التذكير بالبدء ، وقوله :
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
من قيام المفعول المطلق مقام فعله ، والمعنى : وعده اللّه وعدا حقا .
والحق هو الخبر الذي له أصل في الواقع يطابق الخبر فكون وعده تعالى بالمعاد حقا معناه كون الخلقة الإلهية بنحو لا تتم خلقة إلّا برجوع الأشياء - ومن جملتها الإنسان - اليه تعالى وذلك كالحجر الهابط من السماء فإنه يعد بحركته السقوط على الأرض فإن حركته سنخ أمر لا يتم إلّا بالاقتراب التدريجي من الأرض والسقوط والاستقرار عليها ، والأشياء على حال كدح إلى ربها حتى تلاقيه ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
( الانشقاق / 6 ) فافهم ذلك .
قوله تعالى :
إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ
الخ ؛ تأكيد لقوله :
« إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً »
وتفصيل لإجمال ما يتضمنه من معنى الرجوع والمعاد .