وأنشأ يقول :
ما بال سهمي يوقد الحباحبا * قد كنت أرجو أن يكون صائبا
وأمكن العير وأبدى جانبا * فصار رأيي فيه رأيا خائبا
ثم مرّ به قطيع آخر فرمى عيرا منه بسهم ، فأصابه ، وصنع مثل صنيعه الأول ، فأنشأ يقول :
أبعد خمس قد حفظت عدّها * أحمل قوسي وأريد ردّها
أخزي الإله لينها وشدّها
واللَّه لا تسلم مني بعدها
ولا أرجّي ما حييت رفدها
ثم أخذ القوس فضرب بها حجرا ، فكسرها ، ثم بات ، فلمّا أصبح نظر فإذا الحمر مطرّحة حوله مصرّعة ، وأسهمه بالدماء مضرّجة ، فأسف وندم على كسره القوس ، وقطع إبهامه ، وأنشأ يقول :
ندمت ندامة لو أنّ نفسي * تطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبيّن لي سفاه الرأي مني * لعمر أبيك حين كسرت قوسي
وضربت العرب بندامة الكسعي المثل . فأخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن خلف بن خليفة البصري قال : حدثنا أبي قال : حدثنا أبو عبيدة قال : حدثني أبو شفقل راوية الفرزدق ، قال : أنشدني الفرزدق - لما بانت منه النوار امرأته - :
ندمت ندامة الكسعي لمّا * غدت مني مطلَّقة نوار
فما فارقتها شبعا ولكن * رأيت الدهر آخذ ما يعار
فكنت كفاقئ عينيه عمدا * فأصبح ما يضيء له النهار
وكانت جنّتي فخرجت منها * كآدم حين أخرجه الضّرار
فلا يوفي بحبّ نوار عندي * ولا كلفي بها إلَّا انتحار
ولو أنّي ملكت يدي وقلبي * لكان عليّ للقدر الخيار
وقولهم : سبق السيف العذل
قال أبو بكر : معناه : قد فرط من الفعل وسبق ما لا سبيل إلى الرجوع عنه . وأول