ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه ،
قال : خذ بارك الله لك فيه ، هذا ما وعدك الله في الدنيا ، وما ذخر لك في الآخرة أفضل ، ثم يتلو
هذه الآية .
ثم إن الله أثنى عليهم ومدحهم بالصبر فقال : ( الذين صبروا ) أي : على دينهم ، لم يتركوه
لأذى نالهم ، وهم في ذلك واثقون بربهم .
وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( 43 )
بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ( 44 )
قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ) قال المفسرون : لما أنكر مشركو قريش نبوة
محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فهلا بعث إلينا ملكا ! فنزلت هذه الآية ،
والمعنى : أن الرسل كانوا مثلك آدميين ، إلا أنهم يوحى إليهم ، وقرأ حفص عن عاصم : " نوحي "
بالنون وكسر الحاء . ( فاسألوا ) يا معشر المشركين ( أهل الذكر ) وفيهم أربعة أقوال :
أحدها : أنهم أهل التوراة والإنجيل ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .
والثاني : أهل التوراة ، قاله مجاهد .
والثالث : أهل القرآن ، قاله ابن زيد .
والرابع : العلماء بأخبار من سلف ، ذكره الماوردي . وفي قوله تعالى : ( إن كنتم لا تعلمون )
قولان :
أحدهما : لا تعلمون أن الله تعالى بعث رسولا من البشر .
والثاني : لا تعلمون أن محمدا رسول الله ، فعلى القول الأول ، جائز أن يسأل من آمن برسول
الله ومن كفر ، لأن أهل الكتاب والعلم بالسير متفقون على أن الأنبياء كلهم من البشر ، وعلى
الثاني إنما يسأل من آمن من أهل الكتاب ، وقد روي عن مجاهد ( فاسألوا أهل الذكر ) قال : عبد
الله بن سلام ، وعن قتادة ، قال : سليمان الفارسي .
قوله تعالى : ( بالبينات والزبر ) في هذه " الباء " قولان :
أحدهما : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أرسلناهم
بالبينات . والزبر : الكتب . وقد شرحنا هذا في آل عمران .