عشرة سنة في أهنأ عيش ، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يحمل إلى الشام حتى يدفنه عند
أبيه إسحاق ، ففعل به ذلك ، وكان عمره مائة وسبعا وأربعين سنة ، ثم إن يوسف تاق إلى الجنة ،
وعلم أن الدنيا لا تدوم فتمنى الموت ، قال ابن عباس ، وقتادة : ولم يتمن الموت نبي قبله ، فقال :
( رب قد آتيتني من الملك ) يعني : ملك مصر ( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) وقد سبق تفسيرها
وفي " من " قولان :
أحدهما : أنها صلة ، قاله مقاتل .
والثاني : أنها للتبعيض ، لأنه لم يؤت كل الملك ، ولا كل تأويل الأحاديث .
قوله تعالى : ( فاطر السماوات والأرض ) قد شرحناه في ( الأنعام ) ( أنت وليي ) أي :
الذي تلي أمري ( توفني مسلما ) قال ابن عباس : يريد : لا تسلبني الإسلام حتى تتوفاني عليه .
وكان ابن عقيل يقول : لم يتمن يوسف الموت ، وإنما سأل أن يموت على صفة ، والمعنى : توفني
إذا توفيتني مسلما ، وهذا الصحيح .
قوله تعالى : ( وألحقني بالصالحين ) والمعنى : ألحقني بدرجاتهم ، وفيهم قولان :
أحدهما : أنهم أهل الجنة ، قاله عكرمة .
والثاني : آباؤه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، قاله الضحاك ، قالوا : فلما احتضر يوسف ،
أوصى إلى يهوذا ، ومات ، فتشاح الناس في دفنه ، كل يحب أن يدفن في محلته رجاء البركة ،
فاجتمعوا على دفنه في النيل ليمر الماء عليه ويصل إلى الجميع ، فدفنوه في صندوق من رخام ،
فكان هنا لك إلى أن حمله موسى حين خرج من مصر ودفنه بأرض كنعان . قال الحسن : مات
يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة . وذكر مقاتل أنه مات بعد يعقوب بسنتين .
ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ( 102 )
قوله تعالى : ( ذلك من أنباء الغيب ) أي : ذلك الذي قصصنا عليك من أمر يوسف وإخوته
من الأخبار التي كانت غائبة عنك ، فأنزلته عليك دليلا على نبوتك . ( وما كنت لديهم ) أي : عند
إخوة يوسف ( إذ أجمعوا أمرهم ) أي : عزموا على إلقائه في الجب ( وهم يمكرون ) بيوسف ،
وفي هذا احتجاج على صحة نبوة نبينا عليه السلام ، لأنه لم يشاهد تلك القصة ، ولا كان يقرأ
الكتاب ، وقد أخبر عنها بهذا الكلام المعجز ، فدل على أنه أخبر بوحي .
وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ( 103 ) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر