فيهم ، ولا جديداً لديهم ، حتى جعله إرْثاً عن الآباء ، يتوارَثَهُ سائرُ الأبناء ، ثم لم يَرْضَ أن يكون في الآباء حتى جعله موروثاً عن آبائهم ، وهذا لو تكلفه متكلّف فتي المنثور دون الموزون لما كان له هذا الاقتدار مع هذا الاختصار .
وكانت قريشٌ معجبةً بشعر زُهَيْر ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنَا قد سمعْنا كلامَ الخطباء والبلغاء ، وكلامَ ابن أبي سلمى ، فما سمعْنا مثلَ كلامه من أحد ؛ فجعلوا ابنَ أبي سُلْمَى نهايةً في التجويد ، كما ترى .
وذُكِرَ أن عمرَ بن الخطاب ، رضي الله عنه قال : إن من أشعر شعرائكم زُهَيراً ، كان لا يُعاظل بين الكلام ( 1 ) ، ولا يتبع حُوشيهُ ، ولا يمدح الرجلَ إلا بما يكون في الرجال .
وأخذ معنى قولِ زُهَير :
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم
طُرَيْحُ بن إسماعيل الثَّقَفي ( 2 ) ، فقال لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي السفاح : المسرح
قَدْ طَلبَ الناسُ ما بلغْتَ ولَم . . . يَأْلُوا فما قَارَبوا وقَدْ جَهِدُوا ( 3 )
فهم مُلوك ما لم يَرَوْكَ ، فإن . . . لاحَ لهمْ مِنْكَ بارقٌ خَمَدُوا
تعروهُمُ رِعْدَةٌ لديكَ كما . . . قُرْقِفَ تحت الدجُنَة الصَرِدُ ( 4 )
لا خوفَ ظُلم ولا قِلَى خُلُق . . . لكن جلاَلاً كَسَاكَهُ الصَّمدُ ( 5 )
ما يُبقك اللَهُ للأنام فَما . . . يفقدْ من العالمين مفتقدُ ( 6 )
وقال معاوية رحمه اللّه : المروءةُ : احتمال الجريرة ( 7 ) . ، وإصلاحُ أمر العشيرة ؛ والنبلُ : الحلم عند الغضب ، والعفوُ عند المقدرة .
هامش
( 1 ) يعاظل : يكرر ويردد . وفي الأصل « يفاصل » وهو تحريف
( 2 ) شاعر مجيد توفى نحو سنة 170
( 3 ) جهدوا : تبعوا
( 4 ) قرقف على صيفة المفعول : أرعد ، والدجنة : الظلمة ، والصرد : الذي يشكو قسوة البرد
( 5 ) القلى : البغض
( 6 ) ما في هذا البيت شرطية
( 7 ) الجريرة : الجناية ، واحتمال الجريرة : كناية عن دفع الدية لئلا يؤخذ الجاني بجنايته