قد علقت بذيل ما أوْردته ، وألحقت بطرف ما جردته ، من كلام سيد الأولين والآخرين ، ورسول رب العالمين ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأخيار الطيبين الطاهرين ، قطعةً من كلام الخلفاء الراشدين ، قدمتها أمام كلّ كلام ، لتقدمهم على الْخَلْق ، وأخذهم بقصَبِ السَبْقِ ( 1 ) ، وهم كما قال بعضُ المتكلِّمين يصف قوماً من الزهّاد الواعظين ، جَلَوْا بكلامهم الأبصارَ العليلة ، وشحذوا بمواعظهم الأذهان الكليلة ، ونبهوا القلوبَ من رَقدَتِها ، ونَقَلوها عن سوء عادَتها ، فشفَوْا من داء القسوة ، وغَبَاوة الغَفْلَةِ ، وداوَوْا من العيِّ الفاضح ، ونهجُوا لنا الطريقَ الواضح . وآثَرْت أن ألحق بعد ذلك جملةً من سليم كلام سائر الصحابة والتابعين ، رضي الله عنهم أجمعين ، وأدرج في دَرج كلامهم وأثناء نثرِهم ونظمهم ، ما التفَّ عليه والتفّت إليه ، وتعلَّق بأغصانه ، وتشبَّثَ بأفْنَانِهِ ، كما تقدّم ، وأخرج إلى صفات البلاغات ، وآخُذ بعد ذلك في نظم عقود الآداب ، ورَقْمِ برود الألباب : البسيط ،
من كل معنًى يكاد الميتُ يَفْهَمُه . . . حُسناً ويَعْبُدُهُ القِرْطَاسُ والقلمُ
من كلام الصحابة والتابعين
قال معاوية بن أبي سفيان رحمه الله : أَفْضَلُ ما أُعْطِيَ الرجلُ العَقْلُ والحلمُ ، فإذا ذُكّر ذكَر ، وإذا أساء استغفر ، وإذا وَعَد أنجز .
وصف معاويةُ الوليدَ بن عُتْبة فقال : إنه لبعيد الغَوْر ، ساكن الفور ( 2 ) ، وإن العُودَ من لِحَائه ( 3 ) ، والولد من آبائه ، واللّه إنه لنبات أصل لا يخلف ، ونجل
هامش
( 1 ) السبق : هو السابق ، وأخذ قصب السبق : كناية عن الفوز
( 2 ) الغور : القعر من كل شيء ، وبعد الغور : كناية عن أصالة الرأي وعمق التفكير ، والفور : الغضب ، ويقال فلان ثار ثائره ، إذا اشتد غضبه . وبنو فلان تفور علينا قدرهم ، قال الشاعر :
تفور علينا قدرهم فنديمها * ونفثؤها عنا إذا حميها غلا
وسكون الفور : كناية عن الحلم .
( 3 ) اللحاء : القشر ، ومنه قولهم ( لحاه الله ) أي قشره ، وإذا قشر الإنسان هلك !