في جوانب السمع ، لا يخلقه عوده على المستعيد « 1 » :
وهو المشيّع بالمسامع إن مضى
وهو المضاعف حسنه إن كرّرا
وإن كنت قد استدركت على كثير ممن سبقني إلى مثل ما جريت إليه ، واقتصرت في هذا الكتاب عليه ، لملح أوردتها كنوافث السحر « 2 » ؛ وفقر نظمتها كالغنى بعد الفقر ، من ألفاظ أهل العصر ، في محلول النثر ، ومعقود الشعر ؛ وفيهم من أدركته بعمرى ، أو لحقه أهل دهري ؛ ولهم من لطائف الابتداع ، وتوليدات الاختراع ، أبكار لم تفترعها الأسماع « 3 » ، يصبو إليها القلب والطَّرف ، ويقطر منها ماء الملاحة والظَّرف ، وتمتزج بأجزاء النفس ، وتسترجع نافر الأنس ، تخلَّلت تضاعيفه ، ووشّحت تأليفه ، وطرّزت ديباجه ، ورصّعت تاجه ، ونظمت عقوده ، ورقمت بروده ؛ فنورها يرفّ ، ونورها يشفّ ، في روض من الكلم مونق ، ورونق من الحكم مشرق :
صفا ونفى عنه القذى فكأنه
إذا ما استشفّته العيون مصعّد « 4 »
فهو كما قلت :
بديع نثر رقّ حتّى غدا
يجرى مع الرّوح كما تجرى
من مذهب الوشى على وجهه
ديباجة ليست من الشعر « 5 »
كزهرة الدنيا وقد أقبلت
ترود في رونقها النّضر « 6 »
أو كالنسيم الغض غبّ الحيا
يختال في أردية الفجر « 7 »
ولعل في كثير مما تركت ، ما هو أجود من قليل مما أدركت ؛ إذ كان اقتصارا من كلّ على بعض ، ومن فيض على برض « 8 » ؛ ولكني اجتهدت في اختيار
هامش
« 1 » لا يخلقه : لا يذهب بجدته ورونقه
« 2 » الملح : جمع ملحة ، وهي الكلمة المستملحة المستعذبة . والنوافث : جمع نافثة ، وهي الساحرة
« 3 » افترع البكر : فض بكارتها
« 4 » تصعد : ارتفع
« 5 » وشى مذهب : مطرز بالذهب
« 6 » ترود : تختال
« 7 » غب الحيا : عقب المطر
« 8 » فيض : كثير ، وبرض : قليل