وأما شيبة فصفحت عنها
لتشهد بالبراءة من خضابى
فأعجب بالدّليل على مشيبى
أقمت به الدّليل على شبابي
وهو القائل في صفة رجل أصلع :
يجذب من نقرته طرّة
إلى مدى يقصر عن ميله
فوجهه يأخذ من رأسه
أخذ نهار الصّيف من ليله
وقال أعرابي :
قد ترك الدّهر صفاتى صفصفا
فصار رأسي جبهة إلى القفا « 1 »
كأنه قد كان ربعا فعفا
[ من كلام الأعراب ]
قال أعرابىّ لسليمان بن عبد الملك : إني أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله ، فإنّ وراءه إن قبلته ما تحبه ، قال : هاته يا أعرابي ؛ فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته ، ولا نرجو نصيحته ، وأنت المأمون غيبا ، الناصح جيبا « 2 » . قال : فإني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن ، تأدية لحق اللَّه تعالى ؛ إنه قد اكتنفك رجال أساؤا الاختيار لأنفسهم ، وابتاعوا دنياك بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم ، وخافوك في اللَّه ولم يخافوا اللَّه فيك ، فهم حرب للآخرة ، وسلم للدنيا ، فلا تأمنهم على ما ائتمنك اللَّه عليه ؛ فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا ، والأمة كسفا وخسفا ، وأنت مسؤول عما اجترموا ، وليسوا مسئولين عما اجترمت ؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ؛ فإن أعظم الناس عند اللَّه غبنا من باع آخرته بدنيا غيره .
فقال سليمان : أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو سيفك ، قال :
أجل يا أمير المؤمنين ، لك لا عليك .
هامش
« 1 » الصفاة : الصخرة ، والمراد بها حال المرء
« 2 » نصح الجيب : كناية عن سلامة الطوية