ولئن تبدّت في مطالعها
منظومة فلسوف تنتثر
ولئن سعى الفلك المدار بها
فلسوف يسلمها وينفطر
وقد استقصى علي بن العباس الرومي المعنى الأول فقال :
والدّهر يبلى الفتى من حيث ينشئه
حتى تكرّ عليه ليلة القرب « 1 »
يغذوه في كلّ آن وهو يأكله
ويحتسى نغبا منه على نغب « 2 »
يودى بحال فحال من شبيبته
تسرّب الماء في مستأنف الكتب « 3 »
حسب امرئ من خنى دهر تطاوله
وإن أجمّ فلم ينكب ولم ينب
في هدنة الدّهر كاف من وقائعه
والعمر أقدح مبراة من الوصب
وقال أيضا :
يابانى الحصن أرساه وشيّده
حرزا لشلو من الأعداء مشجون « 4 »
انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته
في مطمح النسر أوفى مسبح النون « 5 »
ومن تحصّن منخوبا على وجل
فإنما حصنه سجن لمسجون
أشكو إلى اللَّه جهلا قد أضرّ بنا
بل ليس جهلا ولكن علم مفتون
وقال الطائي :
وإن تبن حيطان عليه فإنما
أولئك عقّالاته لا معاقله
ودخل يحيى بن خالد على الرشيد وقد ابتدأت حاله في التغيّر ، فأخبر أنه مشغول ، فرجع ، فبعث إليه الرشيد : خنتنى فاتهمتنى ، فقال : إذا انقضت المدّة كان الحتف في الحيلة ، واللَّه ما انصرفت إلا تخفيفا .
أخذه ابن الرومي فقال وقد فصده بعض الأطباء ، فزعم أن الفصد زاد في علته :
غلط الطبيب علىّ غلطة مورد
عجزت محالته عن الإصدار « 6 »
هامش
« 1 » ليلة القرب - بفتح القاف والراء جميعا - أن تسير الليل كله لترد الماء غدك ( م ) .
« 2 » نغب - بضم ففتح - جمع نغبة ، وهى الجرعة ( م ) .
« 3 » الكتب : جمع كتبة ، وهو السير الذي تخرز به قربة الماء ( م ) .
« 4 » شلو : جزء ، ومشجون : مشعوب ومكسور
« 5 » النون : الحوت
« 6 » المحالة : الحيلة ، ومنه « المرء يعجز لا المحالة » ويخطىء من يقول : المرء يعجز لا محالة