وأتنسّم من أرواح عشرتك ما تجد الحواسّ به بغيتها ، وتستوفى منه لذّتها ، فنفسك تألف منى مثل ما آلفه منك .
وكان يقال : محادثة الرّجال تلقيح الألباب « 1 » .
وقال ابن الرومي :
ولقد سئمت مآربي
فكأنّ أطيبها خبيث
إلَّا الحديث ؛ فإنّه
مثل اسمه أبدا حديث
قال مخارق : لقيني أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم قبل نسكه ، فقال : أنا واللَّه صبّ بك ، ولوع إليك ، مغمور القلب « 2 » بشكرك ، واللسان بذكرك ، متشوّف إلى رؤيتك ومفاوضتك ، وقد طالت الأيام على ما أعد به نفسي من الاجتماع معك ، ومن قضاء الوطر منك ؛ فما عندك ؟ أنا الفداء لك ! وتزورنى أم أزورك ؟
قلت : جعلني اللَّه فداك ! ما يكون عند من هو منك بهذا الموضع وفي هذا المحلّ إلا الانقياد إلى أمرك ، والسمع والطاعة لك ، ولولا أن أسىء الأدب في أمر بدأت فيه بالفضل لقلت : إن كثير ما ابتدأت به من القول يقلّ فيما عندي من الشوق إليك ، والشّعف بك ، دون ما حرّك هذا القول منى ، فوجبت لك به المنّة علىّ ، وأنا بين يديك ، فاثن عنانى إلى ما أردت ، وقدنى كيف شئت ، تجدني كما قال القائل :
ما تشتهيه فإني اليوم فاعله
والقلب صبّ فما جشّمته جشما
وذكر سهل بن هارون رجلا ، فقال : لم أر أحسن منه فهما لجليل ، ولا تفهما لدقيق أشار إليه أبو تمام فقال :
وكنت أعزّ عزّا من قنوع
تعرّضه صفوح من ملول
فصرت أذلّ من معنى دقيق
به فقر إلى ذهن جليل « 3 »
هامش
« 1 » التلقيح : ما تلقح به النخلة لتثمر
« 2 » كذا . وأحسبه « معمور القلب » بعين مسلة ( م )
« 3 » في ديوان أبى تمام ( ص 503 ) « به فقر إلى فهم جليل » ( م )