نعم اللَّه كالوحوش فما تأ
لف إلا الأخاير النّسّاكا
نفّرتها آثام قوم وصيّرن
لها البرّ والتّقى أشراكا
وكان قبل اتّصاله بالسلطان سائحا في البلاد ، على طريق الفقر والتصوّف ، قال أبو علي الصوفي : كنت معه في بعض أوقاته ، أماشيه في إحدى طرقاته ، فضجر لضيق الحال ، فقال :
ألا موت يباع فأشتريه
فهذا العيش مالا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس جرّ
تصدّق بالوفاة على أخيه
ثم تصرّف بما يرضيه الدهر ، وبلغ المهلى مبلغه . قال أبو علي : دخلت البصرة فاجتزت بسرّ من رأى ، وإذا أنا بناشطيات وحراقات وزيارب وطيّارات في عدّة وعدد ، فسألت : لمن هذا ؟ فقيل : للوزير المهلبي ، ونعتوا لي صاحبي ؛ فوصلت إليه حتى رأيته ، فكتبت إليه رقعة ، وتوصّلت حتى دخلت فسلَّمت ، وجلست حتى خلا مجلسه ، فدفعت إليه الرقعة وفيها :
ألا قل للوزير بلا احتشام
مقال مذكَّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيش
« ألا موت يباع فأشتريه »
فنظر إلىّ وقال : نعم ، ثم نهض وأنهضنى معه إلى مجلس الأنس ، وجعل يذاكرنى ما مضى ، ويذكر لي كيف ترقّت حاله ، وقدّم الطعام فطعمنا ، وأقبل ثلاثة من الغلمان على رأس أحدهم ثلاث بدر « 1 » ، ومع الآخر تخوت وثياب ، ومع الآخر طيب ، وبخور ، وأقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل ؛ فقال :
يا أبا على ؛ تفضّل بقبول هذا ، ولا تتخلَّف عن حاجة تعرض لك ، فشكرته وانصرفت ، فلما هممت بالخروج من الباب استردّنى وأنشدني بديها :
رقّ الزمان لفاقتى
ورثى لطول تحرّقى
هامش
« 1 » البدر : جمع بدرة ، وهي كيس الدنانير