النفسية . ومع ذلك بقيت مكة محط أنظار العالم تنطلق منها بين الفينة والأخرى أنوار
هدى يستضئ بها العالم .
وبقيت معظمة من قبل جميع الأديان والقوميات ، يقدمون لها الهدايا والقرابين
والنذور ويزورونها للدعاء حتى قبل بناء إبراهيم ( عليه السلام ) لها . فكانت الهنود يعظمونها
ويقولون أن روح " سينا " وهو الأقوم الثالث عندهم حلت في الحجر الأسود .
حيث زار سينا مع زوجته بلاد الحجاز ( 1 ) .
وكانت الصابئة من الفرس والكلدانيين يعدونها أحد البيوت السبعة المعظمة .
وربما قيل أنه بيت زحل لقدم عهده وطول بقاءه ( 2 ) ، وكانت الفرس يحترمون الكعبة
أيضا زاعمين أن روح هرمز حلت فيها ( 3 ) .
وكان أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيما له ولجدها
إبراهيم . وكان آخر من حج منهم ساسان بن بابك . وقد أهدى غزالين من ذهب
وجواهر وسيوف وذهب كثير ، فدفن في زمزم . وقد افتخر بعض شعراء الفرس بعد
ظهور الإسلام وقال :
وما زلنا نحج البيت جمعا * ونلقى بالأبطح آمينا
وساسان بن بابك سار حتى * أتى البيت العتيق يطوف دينا ( 4 )
وكانت اليهود يعظمونها ويعبدون الله فيها على دين إبراهيم ( عليه السلام ) وكان بها
صور وتماثيل فيها تمثال إبراهيم ( عليه السلام ) وإسماعيل ( عليه السلام ) وكان بها صور العذراء
والمسيح ( عليهما السلام ) ويشهد ذلك على تعظيم النصارى لأمرها ( 5 ) . وكان موضع البيت
الحرام يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض . ويدعو عنده المكروب فكل من
دعا هنالك إلا استجيب له . وكان الناس يحجون إلى موضع البيت حتى بوأ الله
مكانه لإبراهيم ( عليه السلام ) لما أراد عمارة بيته وإظهار دينه وشريعته ( 6 ) .
ولم يزل منذ أهبط الله آدم ( عليه السلام ) إلى الأرض محرما بيته تتناسخه الأمم والملل
أمة بعد أمة وملة بعد ملة ( 7 ) .
وكان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة يتعبد فيها ذلك النبي ومن
معه حتى يموت فيها فمات فيها نوح وهود وصالح وشعيب ، وقبورهم بين زمزم
والحجر ( 8 ) .
هامش
( 1 ) الميزان 4 / 414 .
( 2 ) مروج الذهب ، للمسعودي 2 / 228 .
( 3 ) الميزان 4 / 414 .
( 4 ) مروج الذهب 1 / 242 .
( 5 ) الميزان 4 / 414 .
( 6 ) أخبار مكة للأزرقي ص 51 .
( 7 ) أخبار مكة للأزرقي ص 55 ، معجم البلدان - الكعبة .
( 8 ) أخبار مكة ص 68 .