تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
واعلم أنّ اللَّه سبحانه لمّا ختم سورة القصص بذكر الوعد والوعيد ، افتتح هذه السورة بذكر تكليف العبيد ، فقال : * ( بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم أَحَسِبَ النَّاسُ ) * الهمزة للإنكار والتوبيخ . ولا يتعلَّق بمعاني المفردات ، بل بمضامين الجمل ، للدلالة على جهة ثبوتها ، ولذلك اقتضى مفعولين متلازمين ، أو ما يسدّ مسدّهما ، كقوله تعالى : * ( أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) * فإنّ معناه : أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم : آمنّا . فالترك أوّل مفعولي « حسب » . و « لقولهم آمنا » المفعول الثاني . وأمّا « غير مفتونين » فمن تتمّة الترك الَّذي بمعنى التصيير ، كقوله « 1 » : فتركته جزر السباع ينشنه . ألا ترى أنّك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول : تركهم غير مفتونين ، لقولهم : آمنّا ، على تقدير : حاصل ومستقرّ قبل اللام . كما تقول : خروجه لمخافة الشرّ ، وضربه للتأديب . وقد كان التأديب والمخافة في قولك : خرجت مخافة الشرّ وضربته تأديبا ، تعليلين . وتقول أيضا : حسبت خروجه لمخافة الشرّ ، وظننت ضربه للتأديب . فتجعلهما مفعولين ، كما جعلتهما مبتدأ وخبرا . والفتنة : الامتحان بمشاقّ التكاليف ، كالمهاجرة ، ومجاهدة الأعداء ، ورفض الشهوات ، ووظائف الطاعات ، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ، ليتميّز المخلص من المنافق ، والثابت في الدين من المضطرب فيه ، ولينالوا بالصبر عليها إلى الدرجات ، فإنّ مجرّد الإيمان وإن كان عن خلوص ، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب . ومعنى الآية : أحسب الَّذين أجروا كلمتي الشهادتين على ألسنتهم ، وأظهروا القول بالإيمان ، أنّهم يتركون بذلك غير ممتحنين ، بل يمتحنهم اللَّه بضروب المحن
هامش
( 1 ) لعنترة بن شدّاد ، وعجزه : يقضمن حسن بنانه والمعصم ، انظر ديوانه ( طبعة دار بيروت ) : 26 .