تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وأما قوله :
« وَأَرْجُلَكُمْ »
فقد قرء بالجر ، وهو لا محالة بالعطف على رءوسكم . وربما قال القائل : إن الجر للاتباع ، كقوله :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
( الأنبياء / 30 ) وهو خطأ فإن الاتباع على ما ذكروه لغة رديئة لا يحمل عليها كلام اللّه تعالى . وأما قوله :
« كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
فإنما الجعل هناك بمعنى الخلق ، وليس من الاتباع في شيء . على أن الاتباع - كما قيل - إنما ثبت فيما ثبت في صوره اتصال التابع والمتبوع كما قيل في قولهم : جحر ضب خرب ، بجر الخرب اتباعا لا في مثل المورد مما يفضل العاطف بين الكلمتين . وقرء : وأرجلكم - بالنصب وأنت إذا تلقيت الكلام مخلى الذهن غير مشوب الفهم لم يلبث دون أن تقضي أن
« أَرْجُلَكُمْ »
معطوف على موضع
« بِرُؤُسِكُمْ »
وهو النصب ، وفهمت من الكلام وجوب غسل الوجه واليدين ، ومسح الرأس والرجلين ، ولم يخطر ببالك أن ترد
« وَأَرْجُلَكُمْ »
إلى
« وُجُوهَكُمْ »
في أول الآية مع انقطاع الحكم في قوله :
« فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ »
بحكم آخر وهو قوله : « وامسحوا بوجوهكم » ، فان الطبع السليم يأبى عن حمل الكلام البليغ على ذلك ، وكيف يرضى طبع متكلم بليغ أن يقول مثلا : قبلت وجه زيد ورأسه ومسحت بكتفه ويده بنصب يد عطفا على « وجه زيد » مع انقطاع الكلام الأول ، وصلاحية قوله : « يده » لأن يعطف على محل المجرور المتصل به ، وهو أمر جائز دائر كثير الورود في كلامهم . وعلى ذلك وردت الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام وأما الروايات من طرق أهل السّنة فإنها وإن كانت غير ناظرة إلى تفسير لفظ الآية ، وإنما تحكي عمل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وفتوى بعض الصحابة ، لكنها مختلفة : منها ما يوجب مسح الرجلين ، ومنها ما يوجب غسلهما . وقد رجح الجمهور منهم أخبار الغسل على أخبار المسح ، ولا كلام لنا معهم فهذا المقام لأنه بحث فقهي راجع إلى علم الفقه ، خارج عن صناعة التفسير .