تهواه أنفسنا بتسويلاتهم ، وتمتع الجن منا باتباع ما كانوا يلقون إلينا من الوساوس وكنا على ذلك حتى بلغنا آخر ما بلغنا من فعلية الحياة الشقية ودرجة العمل .
فهذا اعتراف منهم بأن الأجل وإن كان بتأجيل اللّه سبحانه لكنهم إنما بلغوه بطيهم طريق تمتع البعض من البعض ، وهو طريق سلكوه باختيارهم . ولا يبعد أن يستظهر من هنا أن المراد بالجن الشياطين الذين يوسوسون في صدور الناس من الجن .
قوله تعالى :
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
الخ ؛ هذا جواب منه سبحانه وقضاء عليه ، ومتن ما قضى به قوله :
« النَّارُ مَثْواكُمْ »
الخ .
والمثوى اسم مكان من قولهم : ثوى يثوي ثواء أي أقام مع استقرار فقوله : النار مثواكم أي مقامكم الذي تستقرون فيه من غير خروج ولذا أكده بقوله ؟
« خالِدِينَ فِيها »
وقوله
« إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ »
استثناء يفيد أن القدرة الإلهية باقية مع ذلك على ما كانت فله مع ذلك أن يخرجكم منها وإن كان لا يفعل .
ثم تمم الآية بقوله :
« إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ »
وهو يفيد تعليل البيان الواقع في الآية والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم .
قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
فيه بيان أن جعله تعالى بعض الظالمين أولياء يجري على الحقيقة المبينة في الآية السابقة ، وهو أن التابع يستمتع المتبوع من طريق تسويله وإغوائه فيكسب بذلك الذنوب والآثام حتى يجعل اللّه المتبوع وليا عليه ويدخل التابع في ولايته .
وقوله :
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
الباء للسببية أو المقابلة ، وهو يفيد أن هذه التولية إنما هي بنحو المجازاة يجازي بها الظالمين في قبال ما اكتسبوه من المظالم لا تولية ابتدائية من غير ذنب سابق نظير ما في قوله :
« يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ »
( البقرة / 26 ) . وقد التفت في الآية من الغيبة إلى التكلم ليختص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ببيان هذه