( آل عمران / 79 ) ؛ في الجزء الثالث من الكتاب ما ينفع في المقام .
قوله تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
إلى آخر الآيتين الجملة الأولى أعني قوله :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ »
نتيجة متخذة من البيان المورد في الآيات السابقة ، والمعنى : إذا كان الأمر على ما ذكر فاللّه الذي وصفناه هو ربكم لا غير ، وقوله :
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
كالتصريح بالتوحيد الضمني الذي تشتمل عليه الجملة السابقة ، وهو مع ذلك يفيد معنى التعليل أي هو الرب ليس دونه رب لأنه اللّه الذي ليس دونه إله وكيف يكون غيره ربا وليس بإله .
وقوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
تعليل لقوله :
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
أي إنما انحصرت الألوهية فيه لأنه خالق كل شيء من غير استثناء فلا خالق غيره لشيء من الأشياء حتى يشاركه في الألوهية ، وكل شيء مخلوق له خاضع له بالعبودية فلا يعادله فيها .
وقوله :
فَاعْبُدُوهُ
متفرع كالنتيجة على قوله :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ »
أي إذا كان اللّه سبحانه هو ربكم لا غير فاعبدوه ، وقوله :
« وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ »
أي هو القائم على كل شيء المدبر لأمره الناظم نظام وجوده وحياته وإذا كان كذلك كان من الواجب أن يتقى فلا يتخذ له شريك بغير علم فالجملة كالتأكيد لقوله :
« فَاعْبُدُوهُ »
أي لا تستنكفوا عن عبادته لأنه وكيل عليكم غير غافل عن نظام أعمالكم .
وأما قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
فهو لدفع الدخل الذي يوهمه قوله :
« وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ »
بحسب ما تتلقاه أفهام المشركين الساذجة والخطاب معهم ، وهو أنه إذا صار وكيلا عليهم كان أمرا جسمانيا كسائر الجسمانيات التي تتصدى الأعمال الجسمانية فدفعه بأنه تعالى لا تدركه الأبصار لتعاليه عن الجسمية ولوازمها ، وقوله :
« وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
دفع لما يسبق إلى أذهان هؤلاء المشركين الذين اعتادوا بالتفكّر المادي ، وأخلدوا إلى الحس والمحسوس وهو أنه تعالى إذا ارتفع عن تعلق الأبصار به خرج عن حيطة الحس والمحسوس