وتسددهم وتنصبهم للحكم بين الناس ، وتنبئهم أنباء الغيب « 1 » « 2 » .
قوله تعالى :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
الضميران في قوله :
« يَكْفُرُ بِها »
وقوله :
« وَكَّلْنا بِها »
راجعان إلى الهدى ويجوز فيه التذكير والتأنيث من جهة أنه هداية ، أو راجعان إلى الكتاب والحكم والنبوة التي هي من آثار الهداية الإلهية ، ولا يخلو أول الوجهين عن بعد ، والمشار اليه بقوله :
« هؤُلاءِ »
الكافرون بالدعوة من قوم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمتيقن منهم بحسب مورد الآية كفّار مكة الذين أشار اللّه سبحانه إليهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( البقرة / 6 ) .
المعنى على الوجه الأول : فإن يكفر مشركو قومك بهدايتنا وهي طريقتنا فقد وكّلنا بها من عبادنا من ليس يكفر بها ، والكفر والايمان يتعلقان بالهداية وخاصة إذا كانت بمعنى الطريقة كما ينسبان إلى اللّه سبحانه وآياته قال تعالى :
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ
( الجن / 13 ) وقال :
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( البقرة / 38 ) .
وعلى الوجه الثاني : فإن يكفر بالكتاب والحكم والنبوة - وهي التي تشتمل على الطريقة الإلهية والدعوة الدينية - مشركو مكة فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين .
والذي ينبغي أن يقال في معنى الآية أعني قوله :
« فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ »
أن الآيات لما كانت تصف التوحيد الفطري والهداية الإلهية الطاهرة من شوب الشرك باللّه سبحانه ، وتذكر أن اللّه سبحانه أكرم بهذه الهداية سلسلة متصلة متحدة من أنبيائه واصطفاهم بها ذرية بعضها من بعض واجتباهم وهداهم إلى صراط مستقيم لا ضلال فيه وآتاهم الكتاب والحكم والنبوّة .
هامش
( 1 ) . الانعام 84 - 90 : كلام في معنى الكتاب في القرآن .
( 2 ) . الانعام 84 - 90 : كلام في معنى الحكم في القرآن .