وفطرت الشاة حلبتها بإصبعين ، وفطرت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته ، ومنه الفطرة ، وفطر اللّه الخلق وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال فقوله : فطرة اللّه التي فطر الناس عليها إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى ، وفطرة اللّه هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان وهو المشار إليه بقوله :
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن اللّه ، انتهى . وذكر أيضا : أن الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال قال : وسمّت العرب كل من حج أو اختتن حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم عليه السّلام والأحنف من في رجله ميل ، قيل : سمي بذلك على التفاؤل وقيل : بل استعير للميل المجرد ، انتهى .
لما تبرأ عليه السّلام من شركهم وشركائهم بقوله :
« يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ »
الخ ؛ وقد سلك إليه تدريجا بإظهار عدم تعلق قلبه بالشريك حيث قال :
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
ثم الإيمان إلى كون عبادة الشريك ضلالا حيث قال :
« لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ »
ثم التبري الصريح من ذلك بقوله :
« يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ »
رجع إلى توحيده التام في الربوبية ، وهو إثبات الربوبية والمعبودية للذي فطر السماوات والأرض ، ونفي الشرك عن نفسه فقال :
« إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً »
.
فتوجيه الوجه كناية عن الإقبال إلى اللّه سبحانه بالعبادة فإن لازم العبودية والمربوبية أن يتعلق العبد المربوب بربه في قوته وإرادته ، ويدعوه ويرجع إليه في جمع أعماله ، ولا يكون دعاء ولا رجوع إلا بتوجيه الوجه والإقبال إليه فكنّى بتوجيه الوجه عن العبادة التي هي دعاء ورجوع .
وذكر ربه وهو اللّه سبحانه الذي وجه وجهه إليه ، بنعته الذي يخصه بلا نزاع فيه وهو فطر السماوات والأرض ، وجاء بالموصول والصلة ليدل على العهد فلا يشتبه الأمر على أحد منهم فقال : للذي فطر السماوات والأرض أي إني أقبلت بعبادتي على من ينتهي إليه إيجاد كل شيء