تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
فالمعنى : أنّا أرينا إبراهيم ملكوت السماوات والأرض فبعثه ذلك أن حاج أباه وقومه في أمر الأصنام وكشف له ضلالهم ، وكنا نمده بهذه العناية والموهبة وهي إراءة الملكوت وكان على هذه الحال حتى جنّ عليه الليل ورأى كوكبا . وبذلك يظهر أن ما يتراءى من بعضهم : أن قوله :
« وَكَذلِكَ نُرِي »
الخ ؛ كالمعترضة لا يرتبط بما قبله ولا بما بعده ، وكذا قول بعضهم : إن إراءة الملكوت أول ما ظهر من أمرها في إبراهيم عليه السّلام أنه لما جنّ عليه الليل رأى كوكبا ، الخ ؛ فاسد لا ينبغي أن يصار إليه . وأما ملكوت السماوات والأرض فالملكوت هو الملك مصدر كالطاغوت والجبروت وإن كان آكد من حيث المعنى بالنسبة إلى الملك كالطاغوت والجبروت بالنسبة إلى الطغيان والجبر أو الجبران . قوله تعالى :
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
اللام للتعليل ، والجملة معطوفة على أخرى محذوفة والتقدير : ليكون كذا وكذا وليكون من الموقنين . واليقين هو العلم الذي لا يشوبه شك بوجه من الوجوه ، ولعل المراد به ان يكون على يقين بآيات اللّه على حد ما في قوله :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ
( السجدة / 24 ) وينتج ذلك اليقين بأسماء اللّه الحسنى وصفاته العليا . وفي معنى ذلك ما أنزله في خصوص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا
( الإسراء / 1 ) وقال :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
( النجم / 18 ) وأما اليقين بذاته المتعالية فالقرآن يجلّه تعالى ان يتعلق به شك أو يحيط به علم وإنما يسلّمه تسليما . وقد ذكر في كلامه تعالى من خواص العلم اليقيني بآياته تعالى انكشاف ما وراء ستر الحس من حقائق الكون على ما يشاء اللّه تعالى كما في قوله :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
( التكاثر / 6 ) وقوله :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ، وَما أَدْراكَ ما