أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
لعل المراد بخزائن اللّه ما ذكره بقوله تعالى :
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
( الإسراء / 100 ) وخزائن الرحمة هذه هي ما يكشف عن أثره ، قوله تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
الآية ( فاطر / 2 ) ؛ وهي فائضة الوجود التي تفيض من عنده تعالى على الأشياء من وجودها وآثار وجودها ، وقد بيّن قوله تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( يس / 82 ) أن مصدر هذا الأثر الفائض هو قوله ، وهو كلمة « كن » الصادرة عن مقام العظمة والكبرياء ، وهذا هو الذي يخبر عنه بلفظ آخر في قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
( الحجر / 21 ) .
فالمراد بخزائن اللّه هو المقام الذي يعطي بالصدور عنه ما أريد من شيء من غير أن يفند بإعطاء وجود أو يعجزه بذل وسماحة ، وهذا مما يختص باللّه سبحانه ، وأما غيره كائنا ما كان ومن كان فهو محدود وما عنده مقدّر إذا بذل منه شيئا نقص بمقدار ما بذل ، وما هذا شأنه لم يقدر على إغناء أي فقير ، وإرضاء أي طالب ، وإجابة أي سؤال .
وأما قوله :
وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
فإنما أريد بالعلم الاستقلال به من غير تعليم بوحي وذلك أنه تعالى يثبت الوحي في ذيل الآية بقوله :
« إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ »
، وقد بيّن في مواضع من كلامه أن بعض ما يوحيه لرسله من الغيب ، كقوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
( الجن / 26 ) ، وكقوله بعد سرد قصة يوسف :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ
( يوسف / 102 ) ، وقوله في قصة مريم :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
( آل عمران / 44 ) ، وقوله بعد قصة نوح :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
( هود / 49 ) .