عليها ، وكان تلهم نفسه فجورها وتقواها غير أن تقويته جانب الهوى وتأييده روح الشهوة والغضب من نفسه تولّد في نفسه ملكة الاستكبار عن الحق ، والاستعلاء على الحقيقة فتنجذب نفسه إليه ، وتغتر بعمله ، ولا تدعه يلتفت إلى الحق ويسمع دعوته ، وعند ذاك يزين له عمله ، ويلبس الحق بالباطل وهو يعلم كما قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
( الجاثية / 23 ) وقال :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
( الكهف / 104 ) .
وهذا هو المصحح لتصوير ضلال الإنسان في أمر مع علمه به فلا يرد عليه أن لبس الإنسان على نفسه الحق بالباطل إقدام منه على الضرر المقطوع وهو غير معقول .
على أنا لو تعمقنا في أحوالنا أنفسنا ثم أخذنا بالنصفة عثرنا على عادات سوء نقضي بمساءتها لكنا لسنا نتركها لرسوخ العادة وليس ذلك إلا من الضلال على علم ، ولبس الحق بالباطل على النفس والتلهي باللذة الخيالية والتوله إليها عن التثبت على الحق والعمل به ، أعاننا اللّه تعالى على مرضاته .
وعلى أي حال فقوله تعالى :
« وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا »
الخ ؛ الجواب عن مسألتهم نزول الملك ليكون نذيرا فيؤمنوا به .
ومحصله أن الدار دار اختيار لا تتم فيها للانسان سعادته الحقيقية إلا بسلوكه مسلك الاختيار ، واكتسابه لنفسه أو على نفسه ما ينفعه في سعادته أو يضره ، وسلوك أي الطريقين رضي لنفسه أمضى اللّه سبحانه له ذلك « 1 » .
قوله تعالى :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ
إلى آخر الآيتين ، الحيق الحلول
هامش
( 1 ) . الانعام 4 - 11 : بحث في حكمة جعل الرسل من البشر .