ولما علم ابن الزبير أنه لا طاقة له بالحرب دخل على أمه أسماء بنت
أبي بكر ، فقال : كيف أصبحت يا أمه ؟ قالت : إن في الموت لراحة ، وما
أحب أن أموت إلا بعد خلتين : اما ان قتلت فأحتسبك ، أو ظفرت فقرت
عيني . قال : يا أمه ! إن هؤلاء قد أعطوني الأمان ، فماذا تقولين ؟ قالت :
يا بني أنت أعلم بنفسك ، إن كنت على حق وإليه تدعو ، فلا تمكن عبيد بني
أمية منك يتلاعبون بك ، وإن كنت على غير الحق ، فشأنك وما تريد . قال :
يا أمه ! إن الله ليعلم أني ما أردت إلا الحق ، ولا طلبت غيره ، ولا سعيت
في ريبة قط ، اللهم إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي ، ولكن لأطيب نفس أمي .
ثم قال : يا أمه ! إني أخاف إن قتلني هؤلاء القوم أن يمثلوا بي . قالت :
يا بني ، إن الشاة لا تألم للسلخ إذا ذبحت . قال : الحمد لله الذي وفقك ، وربط
على قلبك ! وخرج ، فخطب الناس ، فقال : أيها الناس ! إن الموت قد أظلكم
سحابه وأحدق بكم ربابه ، فغضوا أبصاركم عن الأبارقة ، وليشغل كل امرئ
قرنه ، ولا يلهينكم التساؤل ، ولا يقولن قائل أين أمير المؤمنين ؟ ألا من سأل
عني فإني في الرعيل الأول . ثم نزل فقاتل حتى قتل .
وكان قتله في سنة 73 ، وله إحدى وسبعون سنة ، وصلب بالتنعيم ، فأقام
ثلاثة وقيل سبعة أيام ، ثم جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر ، وهي عجوز
عمياء ، حتى وقفت على الحجاج ، فقالت : أما آن لهذا الراكب أن ينزل بعد ؟
أما اني سمعت رسول الله يقول : إن في بني ثقيف مبيرا وكذابا ، فأما المبير
فأنت ، وأما الكذاب فالمختار بن أبي عبيد ، فقال : من هذه ؟ فقيل : أم ابن الزبير
فأمر به ، فأنزل .
وروى بعضهم أن الحجاج خطبها ، فقالت : وهو يخطب عمياء بنت المائة ؟
فقال : ما أردت إلا مسالفة رسول الله .
ومر عبد الله بن عمر على عبد الله بن الزبير ، وهو مصلوب ، فقال : يرحمك
الله ، أبا خبيب ، لولا ثلاث كن فيك لقلت أنت أنت : إلحادك في الحرم ،
تاريخ اليعقوبي — صفحة 267
مساهمون: اليعقوبي
ص٢٦٧