التي تحييهم ، وتميتهم ، وترزقهم ، وتسقيهم .
وكان من قولهم : ان الأرواح قديمة كانت في الفردوس الأعلى ، وانه في
كل ستة وثلاثين ألف سنة يفنى جميع ما في العالم إما من تراب ، يريدون
الأرض وزلزلتها وخسوفها ، أو من نار وإحراق ، وسموم مهلك ، وإما من
ريح هواء ردي فاسد ، غليظ عام ، يسد الأنفاس لغلظه ، فيهلك الحيوان ،
ويتلف الحرث والنسل ، ثم يحيي الطبيعة من كل جنس من أجناس الحرث
والنسل ، ويرجع العالم بعد فساده .
وكانت عندهم من هذه الأرواح آلهة تنزل ، فتصير في الأصنام ، فتتكلم
الأصنام لذلك ، وإنما كانوا يخدعون عوامهم بذلك ، ويسترون العلة التي
بها كانت تتكلم أصنامهم ، وهي بصنعة كان كهانهم يصنعونها ، وعقاقير
يستعملونها ، وحيل يحتالونها ، حتى تصفر ، وتصيح بصنعة يحكون بها من
خلقة الصنم كخلقة الطير ، أو البهيمة ، فيكون صوت ذلك الصنم مثل صوت
جنسه من الحيوان ، ثم يترجم كهانهم ذلك الصوت من الصنم على ما يريدون
القضاء به ، مما قد اتفقوا به من حساب النجوم ، وعلم الفراسة .
ويخبرون أن الأرواح ، إذا خرجت ، صارت إلى هذه الآلهة ، التي هي
الكواكب ، فتغسلها ، وتطهرها ان كانت لها ذنوب ، ثم تصعد إلى الفردوس
حيث كانت .
ويقولون ان أنبياءهم كانت تكلمهم الكواكب وتعلمهم أن الأرواح
تنزل إلى الأصنام ، فتسكن فيها ، وتخبر بالحادث قبل أن يحدث .
وكانت لهم فطنة عجيبة دقيقة يوهمون بها العوام انهم يكلمون الكواكب ،
وانها تنبئهم بما يحدث ، ولم يكن ذلك إلا لجودة علمهم بالاسرار التي للطوالع ،
وصحة الفراسة ، فلم يكونوا يخطئون إلا القليل ، وادعوا علم ذلك عن
الكواكب ، وانها تنبئهم بما يحدث ، وهذا باطل غير معقول ، ثم ملكهم
اليونانيون ، فدخلوا في ملتهم ، ثم ملكهم الروم ، فتنصروا .
تاريخ اليعقوبي — صفحة 188
مساهمون: اليعقوبي
ص١٨٨