الله ، فعسر ، وان ينطق به ، فلا يمكن ، وان الله علة العلل ، والمكون للعالم
جملة واحدة .
وطائفة منهم أصحاب زينون ، وهم السوفسطائية ، وتفسير هذا الاسم
باليونانية المغالطة ، وبالعربية التناقضية ، يقولون : لاعلم ولا معلوم ،
واحتجوا باختلاف الناس وانتصاف بعضهم من بعض ، وقالوا : نظرنا في قول
الناس المختلفين ، فوجدناها مختلفة غير متفقة ، وأصبناهم في اختلافهم مجتمعين
على أن الحق مؤتلف غير مختلف ، وان الباطل مختلف غير مؤتلف ، وكان
في اجتماعهم شاهد لهم أنهم لم يعملوا بالصواب ، فلما أقروا بهذا لم يبق للحق
موضع يطمع في إصابته إلا في الخاصة منهم ، فعلمنا أن ذلك لا يوجد إلا بأحد
وجهين : إما بالتسليم للمدعي ، وإما بالكشف لدعواه ، فنظرنا في الدعوى
فأصبنا بما يعمهم ، فلم نجز تصديقهم لخلتين : إحداهما أن يكذب بعضهم
بعضا ، والأخرى إجماعهم على أنهم لم يعلموا بالصواب . فلم يبق إلا كشف
الدعوى ، ففعلنا ، فأصبناهم أهل تكافؤ وتجار بدور الغلبة عليهم جميعا بالاستواء
بينهم ، تقوى هذه مرة ، ومخالفتها أخرى ، فلم نصب عند طائفة منهم
فضلا ، ولا تشارك فيه ، ولا حجة ، ولا تساوي بها ، ولا تجاري فيها ،
فلما أعوز وجود الحق في عامتها وخاصتها بالدعوى بالمناظرة لم يبق للعلم
موضع يوجد فيه ، ولا للحق مذهب يصاب منه ، فقضينا انه لاعلم ، ولا معرفة ،
لان الشئ إذا كان ثابتا لا محالة ، فلا بد من الإحاطة في الاتفاق ، أو في
الاختلاف ، فلا يذكر ذاكر ، وهو غائب ، فقال : فلان غائب ، فأصابه ،
فلو قال هو أو غيره : فلان حاضر ، وليس بحاضر ، فخرج من الصدق ،
ثم خالفه مخالف ، فقال : بل هو غائب ، فكان أحدهما صادقا لا محالة ، لأنه
لا يعدو إذا كان الشئ ثابتا حقا أن يكون حاضرا أو غائبا ، فإذا لم يكن شيئا ،
فكلاهما كاذب فيما قال من أنه حاضر أو غائب ، لان الحاضر شئ ، والغائب
شئ ، فإن لم يكن شيئا ، فليس بحاضر ولا غائب .
تاريخ اليعقوبي — صفحة 148
مساهمون: اليعقوبي
ص١٤٨