فالوعيد الموجه إلى النبي ( ص ) في هذه الآية لا شك فيه ، وهو لا يدل على تهاون
النبي ( ص ) في أمر الدين ، أو توانيه فيما انزل إليه ، وعدم اكتراثه بشأن الوحي ،
وكيف يمكن تصور صدور مثل هذا القول عمن قال بعصمة جميع الأنبياء ( ع ) ، ونزاهتهم عن
كل نقص ؟ !
بل المراد من ذلك في نظر علماء الشيعة الإمامية ومن وافقهم من علماء أهل السنة
هو أن النبي ( ص ) قد تريث بعض الشئ لجسامة التبليغ الذي عده الله عز وجل
موازيا لثقل الرسالة كلها ، ريثما يتم تدبير الأمر من تهيئة مستلزماته ، كجمع حشود
الحجاج الذين كانوا معه ( ص ) ، وتمهيد السبيل أمام هذه الحشود لكي تقبل نفوس بعضهم
مثل هذا التبليغ ، لا سيما الأعراب الذين أسلموا أخيرا ولما يدخل الإيمان في
قلوبهم .
ولا يمنع أن يكون النبي ( ص ) قد خشي من بعضهم لأجل ما انزل عليه ، ويدل عليه قوله
تعالى : ( والله يعصمك من الناس ) ، على أن هذه الخشية لم تكن على نفسه
الطاهرة ، فهو لا يخشى في الله لومة لائم ، وإنما كانت على التبليغ نفسه إذ تفرس
( ص ) مخالفته فأخر التبليغ إلى حين ، ليجد له ظرفا صالحا وجوا آمنا عسى أن تنجح
فيه دعوته ، ولا يخيب مسعاه ، فأمره الله تعالى بتبليغ عاجل ، وبين له أهمية هذا
التبليغ ، ووعده أن يعصمه من الناس ، ولا يهديهم في كيدهم ، ولا يدعهم يقلبوا له أمر
الدعوة ( 1 ) .
وهكذا تم التبليغ بخطبة وداع وعلى أحسن ما يرام بعيدا عن كل أجواء التقية ، إلا
أنه مع الأسف قد اضطر بعض من سمع التبليغ إلى التقية في عدم
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن / السيد محمد حسين الطباطبائي 6 : 46 .