شرح
للباذل الرجوع لأنه موجب لتفويت الواجب على المبذول له ( 1 ) ، نظير ما تقدم في الصلاة من أنه لو أذن له فيها فليس له الرجوع عن إذنه أثناء الصلاة ، لأنه بعد وجوب الاتمام على المصلي يكون رجوع الآذن عن إذنه موجباً لتفويت الواجب عليه .
ولكن في ذلك كلام تقدم في باب الصلاة حيث قلنا هناك إنه لا دليل على وجوب إتمام الصلاة ، فمع رجوع الآذن عن إذنه ليس للمصلي إتمام الصلاة لأنه تصرف في الأرض المغصوبة .
وأما في المقام فيتوقف الالتزام بعدم جواز الرجوع على وجوب الاتمام ، ويمكن أن يقال بعدم وجوب الاتمام أيضاً حتى لو كان الرجوع بعد الاحرام ، لأنه ينكشف بذلك أنه في علم الله لم يكن المبذول له مستطيعاً للحج ( 2 ) إذ ليس له ما يصرفه في الحجّ فلم يكن الحجّ واجباً عليه حتى يجب عليه اتمامه ، ولم يأت بحج مستحب حتى يجب عليه اتمامه ، وإنما قصد الحجّ الواجب ولم يكن عليه واجب . وعلى فرض وجوب الاتمام عليه بعد الاحرام فالواجب إنما هو بالنسبة إلى من أحرم لا بالنسبة إلى الباذل ، فلماذا يلزم الباذل بالصرف عليه ؟ فليحج من أحرم في المقام متسكعاً مع فرض وجوب الاتمام عليه . فإن كون الوجوب على شخص لا يقتضي أن يكون موجباً لأن يصرف الآخر عليه من ماله ، فليس للمبذول له التصرف في مال الباذل بعد الرجوع ، غاية الأمر يمكن أن يقال : إنه لو أتم الحجّ فيضمن الباذل له ذلك لأنه صدر بأمره ، وحيث إن الاذن في الاحرام والأمر به أمر بالاتمام أيضاً ، والإذن في شيء إذن في لوازمه ، ومقتضى السيرة العقلائية أن كل عمل يقع بأمر الغير كانت تكلفة ذلك العمل على الآمر فعليه الضمان ، لا أنه ليس له الرجوع إذنه . ومن هنا يظهر أنه لا مجال للتمسك في المقام بقاعدة الغرور ، لأن غاية ما تدل عليه ضمان الغار مصاريف العمل للمغرور لا عدم جواز رجوع الباذل عن بذله ، كما أن القاعدة لا تقتضي جواز تصرف المغرور بالمال بعد رجوع الغار ، على أن قاعدة الغرور لم تثبت على نحو الإطلاق ، بل وردت في موارد خاصة ( 3 ) . نعم ، ورد في رواية محمد بن سنان ما يدل على ثبوتها على الإطلاق ، وأن رجلاً رأى بنتاً فأحبها فسأل عنها فقيل له إنها ابنة فلان فخطبها منه وتزوجها ثمّ ظهر أن المزوجة لم تكن ابنة هذا الشخص بل كانت أمة ، فقال ( عليه السلام ) : « وعلى الذي زوّجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غرّ الرجل وخدعه » ( 4 ) الدالة على أن
هامش
( 1 ) أقول : الماتن وإن توقف في المسألة هنا ألاّ أن الوجه الثاني وهو ما يقتضي عدم جواز الرجوع هو الذي ذكره سابقاً في المسألة 1 ] 2991 [ واعتمده .
( 2 ) تقدم توضيح لعدم وجوب الاتمام في هامش المسألة 1 ] 2991 [ فراجع .
( 3 ) في هذا تعريض بما في المستمسك حيث قال « وأما العمل بعموم القاعدة حتى في مثل المقام فلا بأس به ، لعموم دليلها » المستمسك 10 : 88 طبعة بيروت .
( 4 ) الوسائل ج 21 : 220 باب 7 من أبواب العيوب والتدليس ح 1 .