ويمكن الاستدلال له - مع الغضّ عن الإجماع - بالكتاب والسنّة :
أمّا الكتاب :
1 - فقوله تعالى : ( وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ( 1 ) . قال في مجمع البيان : ( وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ ) أي مالوا إلى الصلح وترك الحرب ، فاجنح لها أي مل إليها واقبلها منهم ، وإنّما اُنّث لأنّ السلم بمعنى المسالمة ( 2 ) .
وبيان دلالته أنّه تعالى خاطب رسوله ( صلى الله عليه وآله ) وأمره بالميل إلى المسالمة والمهادنة الّتي هي ترك الحرب إذا جنح الكفّار المحاربون إليها ، والمتيقّن الّذي كالصريح له جواز الرجوع إليها ، فالآية كالنصّ في الدلالة على الجواز .
لكن في مجمع البيان : « وقيل : إنّ هذه الآية منسوخة بقوله : ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) ( 3 ) وقوله : ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) الآية ( 4 ) عن الحسن وقتادة . وقيل : إنّها ليست بمنسوخة لأنها في الموادعة لأهل الكتاب ، والاُخرى لعبّاد الأوثان ، وهذا هو الصحيح ، لأنّ قوله تعالى : ( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) والآية الاُخرى نزلتا في سنة تسع في سورة براءة ، وصالح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وفد نجران بعدها ( 5 ) .
وتقريب قول القائل المذكور بالنسخ أنّ الضمير الفاعل في قوله تعالى : ( وَإِنْ جَنَحُواْ ) راجع إلى ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) المذكور في آيتين قبلها ، ( والَّذِينَ كَفَرُواْ ) في زمنه ( صلى الله عليه وآله ) - طائفتان : المشركون وأهل الكتاب ، فقوله تعالى : ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد فَإِنْ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلوةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( 6 ) أوضح حال القتال لهم وحكم بوجوب قتلهم وإيجاد الضيق والحصر لهم والقعود للظفر بهم كلّ مرصد ، وجعل غاية رفع اليد عن التعرّض لقتلهم وقتالهم أن يتوبوا ويؤمنوا ويعملوا الصالحات ، فلا محالة بحسب مثل هذا الدليل القويّ الدلالة لا يبقى مجال لتأخير أمر
هامش
( 1 ) الأنفال : 61 .
( 2 و 5 ) مجمع البيان : في تفسير الآية المذكورة من سورة الأنفال .
( 3 و 4 ) التوبة : الآية 5 و 29 .
( 6 ) التوبة : 5 .