وانصرف أبو سفيان إلى مكّة ومرّ الركب [ من عبد قيس ] برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو بحمراء الأسد فأخبره بقول أبي سفيان : [ إنّا قد أجمعنا الكرة عليه وعلى أصحابه لنستأصل بقيّتهم ] فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : حسبنا الله ونعم الوكيل ، ثمّ انصرف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة بعد الثالثة . . . وهذا قول أكثر المفسّرين .
وقال مجاهد وعكرمة : نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى ، وذلك أنّ أبا سفيان قال يوم اُحد حين أراد أن ينصرف : يا محمّد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى القابل إن شئت ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ذلك بيننا وبينك - ثمّ ذكر ما حاصله : أنّ أبا سفيان رجع عن وعده والنبيّ وأصحابه عملوا به فأقاموا ببدر ولم يلقوا أبا سفيان ولا أصحابه وانصرفوا إلى المدينة سالمين ، ثمّ قال : - وقد روى ذلك أبو الجارود عن الباقر ( عليه السلام ) ( 1 ) .
فأيّ من شأني النزول كان فظاهر دعوة الرسول ومناديه انها دعوة إلى القتال ، ومفروض الآية الاُولى أنّ الّذين استجابوا لهذه الدعوة قد أصابهم القرح ، وهذا القرح بحسب كلا الاحتمالين هو قرح غزوة اُحد ، فالآيات الشريفة نزلت في تجليل هؤلاء المسلمين حيث أجابوا دعوة الرسول ، ومن الواضح أنّ الاتيان فيها بالله تعالى في قوله : « الّذين استجابوا لله وللرسول » إنّما اُريد به تكريم الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) بأنّ كلّ ما يأمر به فإنّما هو في مقام العمل بما يحبّ الله ويريد لا أنّه ليس من الرسول أمر . وعليه فدلالة الآيات على استحسان إجابة الرسول بيّنة وإن كان الإنصاف أنّه لا دلالة فيها بنفسها على خصوص الوجوب إلاّ أنّه لا ينافيه أيضاً ، وقد مرّت الدلالة على وجوب الاستجابة في الآيات السالفة .
ثمّ إنّه قد روى العيّاشي في تفسير هذه الآيات أخباراً لا دلالة فيها على أنّ الآيات نزلت في إجابة الدعوة إلى القتال ( 2 ) .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : في سبب نزول الآيات المذكورة من سورة آل عمران .
( 2 ) العيّاشي : ج 1 ص 206 ، وعنه تفسير البرهان : ج 1 ص 713 .