نعم لا يبعد دعوى ظهور قوله تعالى : ( فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ) في أنّ نقض عهد البيعة فيه خسارة ترد على الناكث والناقض ، وهو عبارة اُخرى عن استلزامه خسراناً عليه الّذي في معنى وجوب العمل بها وحرمة نكثها إذا وقعت في محلّها ، وهو أمرٌ صحيحٌ معقولٌ لا ينافي مقتضى هذين الإطلاقين .
وقد مرّ كلام عن القمّي ( رحمه الله ) في تفسيره أنّ المراد بالمبايعة الواقعة في هذه الآية إنّما هي بيعة الرضوان المذكورة في الآية الماضية ، وقد صرّح بذلك مجمع البيان وهو مذكور في تفسير التبيان ( 1 ) أيضاً ، وعليه فلا محالة تكون هذه البيعة - كما مرّ - بيعة على محاربة المشركين لا بيعة على قبول ولاية الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) فلا ربط لها بأصل أمر ولايته الكبرى ، بل هي كما عرفت أمر مقدّمي أقدم النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) على أخذها منهم إقداماً عقلائياً حتّى يطمئنّ بأنّ المؤمنين مهيّأون للحرب ، وإلاّ فأصل ولايته عليهم مضى عليها سنون ولا دلالة لهذه البيعة أبداً على اشتراط فعليّتها أو اشتراط وجوب الطاعة عنه المؤمنين بهذه البيعة .
وبالجملة : فلا ينبغي الريب في عدم دلالة الآية على خلاف تلك الأدلّة .
ثمّ إنّه قد روى في كنز الدقائق عن الصدوق أنّه روى في عيون الأخبار بإسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا ( عليه السلام ) أنّه قال : « يا أبا الصلت إنّ الله فضّل نبيّه محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) على جميع خلقه من النبيّين والملائكة ، وجعل طاعته طاعته ، ومتابعته متابعته ، وزيارته زيارته ; فقال : ( يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) وقال : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ) . . . الحديث ( 2 ) .
فالرواية كما ترى تدلّ على ما استظهرناه من الآية الشريفة من أنّه تعالى عظّم الرسول وجعل مبايعته مبايعة لله تعالى وهو من كمال التعظيم له ( صلى الله عليه وآله ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم - في أواخر سورة فاطر - أنّ أمير المؤمنين ( عليه السلام )
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 5 ص 116 - 117 ، التبيان : ج 9 ص 319 .
( 2 ) كنز الدقائق : ج 9 ص 545 ، عن العيون : ج 1 الباب 11 ص 93 الحديث 3 .