من القاعدين والمجاهدين ، أو كلا من القاعدين غير أولى الضرر والقاعدين أولى الضرر والمجاهدين الحسنى ، والحسنى وصف محذوف الموصوف أي العاقبة الحسنى أو المثوبة الحسنى أو ما يشابه ذلك ، والجملة مسوقة لدفع الدخل فإن القاعد من المؤمنين ربما أمكنه أن يتوهم من قوله «
لا يَسْتَوِي
- إلى قوله -
دَرَجَةً
» أنه صفر الكفّ لا فائدة تعود إليه من ايمانه وسائر أعماله فدفع ذلك بقوله
« وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى »
.
قوله تعالى :
وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً
هذا التفضيل بمنزلة البيان والشرح لإجمال التفضيل المذكور أولا ، ويفيد مع ذلك فائدة أخرى ، وهي الإشارة إلى أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يقنعوا بالوعد الحسن الذي يتضمّنه قوله
« وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى »
فيتكاسلوا في الجهاد في سبيل اللّه والواجب من السعي في إعلاء كلمة الحق وإزهاق الباطل فإن فضل المجاهدين على القاعدين بما لا يستهان به من درجات المغفرة والرحمة .
وأمر الآية في سباقها عجيب ، أما أولا : فلأنها قيدت المجاهدين ( أولا ) بقوله
« فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ »
و ( ثانيا ) بقوله
« بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ »
و ( ثالثا ) أوردته من غير تقييد .
وأما ثانيا : فلأنها ذكرت في التفضيل ( أولا ) أنها درجة ، و ( ثانيا ) انها درجات منه .
والضمير في قوله
« مِنْهُ »
لعله راجع إلى اللّه سبحانه ، ويؤيده قوله
« وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً »
بناء على كونه بيانا للدرجات ، والمغفرة والرحمة من اللّه ، ويمكن رجوع الضمير إلى الأجر المذكور قبلا .
وقوله :
وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً
ظاهره كونه بيانا للدرجات فإن الدرجات وهي المنازل من اللّه سبحانه أياما كانت فهي مصداق المغفرة والرحمة ، وقد علمت في بعض المباحث السابقة أن الرحمة - وهي الإفاضة الإلهية للنعمة - تتوقف على إزالة الحاجب ورفع المانع من التلبس بها ، وهي المغفرة ، ولازمه أن كل مرتبة من مراتب النعم ، وكل درجة ومنزلة رفيعة