اتَّقى »
كالكناية التي فيها تعريض .
قوله تعالى :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
البروج جمع برج وهو البناء المعمول على الحصون ، ويستحكم بنيانه ما قدر عليه لدفع العدو به وعنه ، وأصل معناه الظهور ، ومنه التبرّج بالزينة ونحوها ، والتشييد الرفع ، وأصله من الشيد وهو الجص لأنه يحكم البناء ويرفعه ويزيّنه فالبروج المشيّدة الأبنية المحكمة المرتفعة التي على الحصون يأوي إليها الإنسان من كل عدوّ قادم .
والكلام موضوع على التمثيل بذكر بعض ما يتقي به المكروه ، وجعله مثلا لكل ركن شديد تتقي به المكاره ، ومحصّل المعنى : أن الموت أمر لا يفوتكم إدراكه ، ولو لجأتم منه إلى أي ملجأ محكم متين فلا ينبغي لكم أن تتوهموا أنكم لو لم تشهدوا القتال ، ولم يكتب لكم كنتم في مأمن من الموت ، وفاته إدراككم فإن أجل اللّه لآت .
قوله تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
( إلى آخر الآية ) ؛ جملتان أخريان من هفواتهم حكاهما اللّه تعالى عنهم ، وأمر نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يجيبهم عنهما ببيان حقيقة الأمر فيما يصيب الإنسان من حسنة وسيئة .
واتصال السياق يقضي بكون الضعفاء المتقدم ذكرهم من المؤمنين هم القائلين ذلك قالوا ذلك بلسان حالهم أو مقالهم ، ولا بدع في ذلك فإن موسى أيضا جبّه بمثل هذا المقال كما حكى اللّه سبحانه ذلك بقوله :
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( الأعراف / 131 ) وهو مأثور عن سائر الأمم في خصوص أنبيائهم ، وهذه الأمة في معاملتهم نبيهم لا يقصرون عن سائر الأمم ، وقد قال تعالى :
تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
( البقرة / 118 ) وهم مع ذلك أشبه الأمم ببني إسرائيل ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « إنهم لا يدخلون جحر ضبّ إلا دخلتموه » وقد تقدم نقل الروايات في ذلك من طرق الفريقين .