الشفاعة على ما مر بيانه ، وهي عامة لجميع الذنوب ومقيدة في جانب المشفوع له بالدين المرضي وهو التوحيد ونفي الشريك وفي جانب اللّه تعالى بالمشيئة ، فمحصل مفادها شمول المغفرة لجميع الذنوب إلا الشرك على مشيئة من اللّه ، وهذا بعينه مفاد هذه الآية :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
.
وأما الآيات التي توعد قاتل النفس المحترمة بغير حق . وآكل الربا ، وقاطع الرحم بجزاء النار الخالد كقوله تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها
الآية ؛ ( النساء / 93 ) ، وقوله في الربا :
وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( البقرة / 275 ) ، وقوله في قاطع الرحم :
أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
( الرعد / 25 ) ، وغير ذلك من الآيات فهذه الآيات إنما توعد بالشر وتنبئ عن جزاء النار ، وأما كونه جزاء محتوما لا يقبل التغيير والارتفاع فلا صراحة لها فيه .
وبالجملة لا يترجح آية
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ
على آيات الشفاعة بأمر زائد في مضمونها يمهد لهم ما ذكروه .
فليس يسعهم أن يفهموا من آيات الكبائر تحتم النار حتى يجوز لهم الشهادة على مرتكبها بالنار ، ولا يسعهم أن يفهموا من آية المغفرة
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
الخ ؛ أمرا ليس يفتهم من آيات الشفاعة حتى يوجب لهم القول بنسخها أو تخصيصها أو تقييدها آيات الكبائر .
ويومئ إلى ذلك ما ورد في بعض هذه الروايات ، وهو ما رواه في الدر المنثور عن ابن الضريس وأبي يعلى وابن المنذر وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ؛ وقال : إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا .