فإنه بإطلاقه شامل للجميع ، ولعل هذه هي النكتة في تكرار الاستبشار وكذا تكرار الفضل فتدبر في الآية .
وقد نكر الفضل والنعمة وأبهم الرزق في الآيات ليذهب ذهن السامع فيها كل مذهب ممكن ؛ ولذا أبهم الخوف والحزن ليدل في سياق النفي على العموم .
والتدبر في الآيات يعطي أنها في صدد بيان أجر المؤمنين أولا ، وأن هذه الأجر رزقهم عند اللّه سبحانه ثانيا ، وأن هذا الرزق نعمة من اللّه وفضل ثالثا ، وأن الذي يشخص هذه النعمة والفضل هو أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون رابعا .
وهذه الجملة أعني قوله :
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
كلمة عجيبة كلما أمعنت في تدبرها زاد في اتساع معناها على لطف ورقة وسهولة بيان ، وأول ما يلوح من معناها أن الخوف والحزن مرفوعان عنهم ، والخوف إنما يكون من أمر ممكن محتمل يوجب انتفاء شيء من سعادة الإنسان التي يقدر نفسه واجدة لها ، وكذا الحزن إنما يكون من جهة أمر واقع يوجب ذلك ؛ فالبلية أو كل محذور إنما يخاف منها إذا لم يقع بعد فإذا وقعت زال الخوف وعرض الحزن فلا خوف بعد الوقوع ولا حزن قبله .
فارتفاع مطلق الخوف عن الإنسان إنما يكون إذا لم يكن ما عنده من وجوه النعم في معرض الزوال ، وارتفاع مطلق الحزن إنما يتيسر له إذا لم يفقد شيئا من أنواع سعادته لا ابتداء ولا بعد الوجدان ، فرفعه تعالى مطلق الخوف والحزن عن الإنسان معناه أن يفيض عليه كل ما يمكنه أن يتنعم به ويستلذه ، وأن لا يكون ذلك في معرض الزوال ، وهذا هو خلود السعادة للإنسان وخلوده فيها .
ومن هنا يتضح أن نفي الخوف والحزن هو بعينه ارتزاق الإنسان عند اللّه فهو سبحانه يقول :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ
( آل عمران / 198 ) ، ويقول
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
( النحل / 96 ) فالآيتان تدلان على أن ما عند اللّه نعمة باقية لا يشوبها نقمة ولا يعرضها فناء .