وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً
( النساء / 70 ) . وقال تعالى :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( الشورى / 52 ) .
فالهداية بالايصال إلى المطلوب تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها ، والهداية بإراءة الطريق بالى ، وفيه ان النفي المذكور لحقيقة الهداية التي هي قائمة باللّه تعالى ، لا نفي لها أصلا ، وبعبارة أخرى هو نفي الكمال دون نفي الحقيقة مضافا إلى أنه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون :
يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ
( غافر / 38 ) . فالحق انه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية ، ومن الممكن ان يكون التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار .
وبالجملة فالهداية هي الدلالة وإراءة الغاية بإراءة الطريق وهي نحو ايصال إلى المطلوب ، وانما تكون من اللّه سبحانه ، وسنته سنة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقق به وصول العبد إلى غايته في سيره ، وقد بيّنه اللّه سبحانه بقوله :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
( الأنعام / 125 ) . وقوله :
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
( الزمر / 23 ) . وتعدية قوله تلين بإلى لتضمين معنى مثل الميل والاطمينان ، فهو ايجاده تعالى وصفا في القلب به يقبل ذكر اللّه ويميل ويطمئن اليه ، وكما أن سبله تعالى مختلفة ، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف اليه فلكل سبيل هداية قبله تختص به .
وإلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
( العنكبوت / 69 ) . إذ فرق بين ان يجاهد العبد في سبيل اللّه ، وبين أن يجاهد في اللّه ، فالمجاهد في الأول يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثاني فإنه إنما يريد وجه اللّه فيمده اللّه سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاص به ، وكذا يمده اللّه تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتى يختصه بنفسه جلّت عظمته .