قوله تعالى :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ
الخ ؛ الظاهر أن هذه البشارة هي التي يشتمل عليها قوله تعالى في موضع آخر :
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
الآيات ( مريم / 19 ) ، فتكون البشارة المنسوبة إلى الملائكة هاهنا هي المنسوبة إلى الروح فقط هناك .
وقد قيل في وجهه أن المراد بالملائكة هو جبرئيل ، عبر بالجمع عن الواحد تعظيما لامر كما يقال : سافر فلان فركب الدواب وركب السفن ، وإنما ركب دابة واحدة وسفينة واحدة ، ويقال : قال له الناس كذا ، وإما قاله واحد وهكذا ، ونظيره الآية قوله في قصة زكريا السابقة :
فنادته الملائكة ثم قوله :
قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
، الآية .
وربما قيل : إن جبرئيل كان معه غيره فاشتركوا في ندائها .
والذي يعطيه التدبر في الآيات التي تذكر شأن الملائكة أن بين الملائكة تقدما وتأخرا من حيث مقام القرب ، وأن للمتأخر التبعية المحضة لأوامر المتقدم بحيث يكون فعل المتأخر رتبة ، عين فعل المتقدم ، وقوله عين قوله نظير ما نشاهده ونذعن به من كون أفعال قوانا وأعضائنا عين أفعالنا من غير تعدد فيه تقول : رأته عيناي وسمعته أذناي ، ورأيته وسمعته ، ويقال فعلته جوارحي وكتبته يدي ورسمته أناملي وفعلته أنا وكتبته أنا ، وكذلك فعل المتبوع من الملائكة فعل التابعين له المؤتمرين لأمره بعينه ، وقوله قولهم من غير اختلاف ، وبالعكس كما أن فعل الجميع فعل اللّه سبحانه وقولهم قوله ، كما قال تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
( الزمر / 42 ) ، فنسب التوفي إلى نفسه ، وقال :
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ
( السجدة / 11 ) ، فنسبه إلى ملك الموت وقال :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا
( الأنعام / 61 ) ، فنسبه إلى جمع من الملائكة .
ونظيره قوله تعالى :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
( النساء / 163 ) ، وقوله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ