قوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
مثلا ، أو قوله :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ *
الآية لا يؤثران في ظهور حقية الدين شيئا حتى ينسخا حكما معلولا لهذا الظهور .
وبعبارة أخرى الآية تعلل قوله :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
بظهور الحق ، وهو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله ، فهو ثابت على كل حال ، فهو غير منسوخ .
قوله تعالى :
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
الخ ؛ الطاغوت هو الطغيان والتجاوز عن الحد ولا يخلو عن مبالغة في المعنى كالملكوت والجبروت ، ويستعمل فيما يحصل به الطغيان كأقسام المعبودات من دون اللّه كالأصنام والشياطين والجن وأئمة الضلال من الانسان وكل متبوع لا يرضى اللّه سبحانه باتباعه ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والتثنية والجمع .
وإنما قدم الكفر على الايمان في قوله :
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
، ليوافق الترتيب الذي يناسبه الفعل الواقع في الجزاء أعني الاستمساك بالعروة الوثقى ، لان الاستمساك بشيء إنما يكون بترك كل شيء والأخذ بالعروة ، فهناك ترك ثم أخذ ، فقدم الكفر وهو ترك على الايمان وهو اخذ ليوافق ذلك ، والاستمساك هو الاخذ والامساك بشدة ، والعروة : ما يؤخذ به من الشيء كعروة الدلو وعروة الاناء ، والعروة هي كل ما له أصل من النبات وما لا يسقط ورقه ، وأصل الباب التعلق يقال : عراه واعتريه اي تعلق به .
والكلام أعني قوله :
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
، موضوع على الاستعارة للدلالة على أن الايمان بالنسبة إلى السعادة بمنزلة عروة الاناء بالنسبة إلى الاناء وما فيه ، فكما لا يكون الاخذ أخذا مطمئنا حتى يقبض على العروة كذلك السعادة الحقيقية لا يستقر أمرها ولا يرجى نيلها إلا أن يؤمن الانسان باللّه ويكفر بالطاغوت .
قوله تعالى :
لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
، الانفصام : الانقطاع والانكسار ، والجملة في موضع الحال من العروة تؤكد معنى العروة الوثقى ، ثم عقبه بقوله :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
،