تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
والاجبار إنما يركن اليه الآمر الحكيم والمربي العاقل في الأمور المهمة التي لا سبيل إلى بيان وجه الحق فيها لبساطة فهم المأمور ورداءة ذهن المحكوم ، أو لأسباب وجهات أخرى ، فيتسبب الحاكم في حكمه بالاكراه أو الامر بالتقليد ونحوه ، وأما الأمور المهمة التي تبين وجه الخير والشر فيها ، وقرر وجه الجزاء الذي يلحق فعلها وتركها فلا حاجة فيها إلى الاكراه ، بل للانسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرفي الفعل وعاقبتي الثواب والعقاب ، والدين لما انكشفت حقائقه واتضح طريقه بالبيانات الإلهية الموضحة بالسنة النبوية فقد تبين أن الدين رشد والرشد في اتباعه ، والغي في تركه والرغبة عنه ، وعلى هذا لا موجب لان يكره أحد أحدا على الدين . وهذه احدى الآيات الدالة على أن الاسلام لم يبتن على السيف والدم ، ولم يفت بالاكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم أن الاسلام دين السيف واستدلوا عليه : بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين . وقد تقدم الجواب عنه في ضمن البحث عن آيات القتال وذكرنا هناك أن القتال الذي ندب اليه الاسلام ليس لغاية احراز التقدم وبسط الدين بالقوة والاكراه ، بل لاحياء الحق والدفاع عن أنفس متاع للفطرة وهو التوحيد ، وأما بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوة ولو بالتهود والتنصر فلا نزاع لمسلم مع موحد ولا جدال ، فالاشكال ناش عن عدم التدبر . ويظهر مما تقدم أن الآية أعني قوله :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
غير منسوخة بآية السيف كما ذكره بعضهم . ومن الشواهد على أن الآية غير منسوخة التعليل الذي فيها أعني قوله :
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
، فإن الناسخ ما لم ينسخ علة الحكم لم ينسخ نفس الحكم ، فإن الحكم باق ببقاء سببه ، ومعلوم أن تبين الرشد من الغي في أمر الاسلام امر غير قابل للارتفاع بمثل آية السيف ، فإن