بيان :
قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ
، قل : ما أنفقتم من خير ، قالوا : إن الآية واقعة على أسلوب الحكمة ، فإنهم إنما سألوا عن جنس ما ينفقون ونوعه ، وكان هذا السؤال كاللغو لمكان ظهور ما يقع به الانفاق وهو المال على أقسامه ، وكان الأحق بالسؤال إنما هو من ينفق له : صرف الجواب إلى التعرض بحاله وبيان أنواعه ليكون تنبيها لهم بحق السؤال .
والذي ذكروه وجه بليغ غير أنهم تركوا شيئا ، وهو أن الآية مع ذلك متعرضة لبيان جنس ما ينفقونه ، فإنها تعرضت لذلك : أولا بقولها : من خير ، إجمالا ، وثانيا بقولها : وما تفعلوا من خير فإن اللّه به عليم ، ففي الآية دلالة على أن الذي ينفق به هو المال كائنا ما كان ، من قليل أو كثير ، وان ذلك فعل خير واللّه به عليم ، لكنهم كان عليهم ان يسألوا عمن ينفقون لهم ويعرفوه ، وهم : الوالدان والأقربون واليتامى والمساكين وابن السبيل .
قوله تعالى :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
، في تبديل الانفاق من فعل الخير هاهنا كتبديل المال من الخير في أول الآية إيماء إلى أن الانفاق وان كان مندوبا اليه من قليل المال وكثيرة ، غير أنه ينبغي ان يكون خيرا يتعلق به الرغبة وتقع عليه المحبة كما قال تعالى :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
( آل عمران / 92 ) ، وكما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
( البقرة / 267 ) .
وايماء إلى أن الانفاق ينبغي ان لا يكون على نحو العشر كالانفاق بالمن والأذى كما قال تعالى :
ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً
( البقرة / 262 ) ، وقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
( البقرة / 219 ) .