ومنحة على منحة - وهو ذكر منه لهم - إذ لم ينسهم في هدايتهم إلى مستقيم الصراط ، وسوقهم إلى أقصى الكمال ، وزيادة على ذلك ، وهو جعل القبلة ، الذي فيه كمال دينهم ، وتوحيد عبادتهم ، وتقويم فضيلتهم الدينية والاجتماعية فرّع على ذلك دعوتهم إلى ذكره وشكره ، ليذكرهم بنعمته على ذكرهم إياه بعبوديته وطاعته ، ويزيدهم على شكرهم لنعمته وعدم كفرانهم ، وقد قال تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً
( الكهف / 24 ) . وقال تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
( إبراهيم / 7 ) ، والآيتان جميعا نازلتان قبل آيات القبلة من سورة البقرة .
ثم إن الذكر ربما قابل الغفلة كقوله تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
( الكهف / 28 ) . وهي انتفاء العلم بالعلم ، مع وجود أصل العلم ، فالذكر خلافه ، وهو العلم بالعلم ، وربما قابل النسيان وهو زوال صورة العلم عن خزانة الذهن ، فالذكر خلافه ، ومنه قوله تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
الآية ؛ وهو حينئذ كالنسيان معنى ذو آثار وخواص تتفرع عليه ، ولذلك ربما أطلق الذكر كالنسيان في موارد تتحقق في آثارهما وإن لم تتحقق أنفسهما ، فإنك إذا لم تنصر صديقك - وأنت تعلم حاجته إلى نصرك فقد نسيته ، والحال أنك تذكره ، وكذلك الذكر .
والظاهر أن إطلاق الذكر على اللفظي من هذا القبيل ، فإن التكلم عن الشيء من آثار ذكره قلبا ، قال تعالى :
قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً
( الكهف / 83 ) . ونظائره كثيرة ، ولو كان الذكر اللفظي أيضا ذكرا حقيقة فهو من مراتب الذكر ، لأنه مقصور عليه ومنحصر فيه ، وبالجملة : الذكر له مراتب كما قال تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
( الرعد / 28 ) ، وقال :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
( الأعراف / 205 ) ، وقال تعالى :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
( البقرة / 200 ) ، فالشدة إنما يتصف به المعنى دون اللفظ ، وقال تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ