الرابع :
إن كانت فاعليته تعالى للأشياء بنحو العلية والترشح لزم تعدد القدماء
وقدم الممكنات ، لأن الانفكاك بين العلة والمعلول محال ، كما مر .
وقد أثبتنا بالدلائل الواضحة الصريحة حدوث العالم بالمعنى الصحيح ،
وقلنا : إن الحدوث لا يجامع القدم ، والاعتقاد بتعدد القدماء شرك ، واختراع
معنى الحدوث الذاتي ليس إلا للتمويه على أهل التوحيد .
الخامس :
إن كانت فاعليته تعالى بنحو العلية والترشح لزم انتفاء وجوده تعالى
بانتفاء شئ من هذه الأشياء في سلسلته الطولية ، لاستحالة انتفاء المعلول
بدون انتفاء علته التامة ( 1 ) .
وهذا مخالف لما ثبت في الدين والمذهب من أن سلطنته تعالى تامة ولا
يتصور فيها نقص ، وأنه فاعل ما يشاء كيف شاء وهو متى شاء إيجاد شئ أو
إعدامه أوجده أو أعدمه بلا توقف على أية مقدمة خارجية .
هامش
( 1 ) وقد اعترف بذلك من يعتقد بصدور الأشياء من ذات الخالق ، وله مشرب فلسفي ، فقال : إن
الفلسفي يقول : إن كل موجود ليس واقعا في جوف فلك القمر من الأفلاك والكواكب
والملائكة والعقول المجردة والنفوس الكلية وغيرها يتطاول في قبال الرب جل وعلا ويقول
له : أنا وإن كنت من حيث الوجود منك ، وأنت أصلي فيه لكني متحصن في حصن الوجوب ،
قائم في مقام الأمن من إرادتك لإفنائي وإزالتي عن مقامي ، واجد لما تصف نفسك به من أزلية
الكون وامتناع الفناء لأن في فنائي فنائك ، وفي إزالتي عن مقامي زوالك ، وأنت لابد لك في
شؤونك مني ، ولا يستقر أمرك دوني . . تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .