وزحزحت عن قواعدها ، تنازعتها قريش بينها ، وترامتها كترامي الكرة
حتى طمعت فيها أنت يا معاوية وأصحابك من بعدك ، وقد قال رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) : " ما ولت أمة أمرها رجلا قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل
أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا " . وقد تركت بنو إسرائيل -
وكانوا أصحاب موسى ( عليه السلام ) - هارون أخاه وخليفته ووزيره ، وعكفوا على
العجل وأطاعوا فيه سامريهم ، وهم يعلمون أنه خليفة موسى ، وقد سمعت
هذه الأمة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول ذلك لأبي ( عليه السلام ) " إنه مني بمنزلة هارون من
موسى إلا أنه لا نبي بعدي " وقد رأوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين نصبه لهم بغدير
خم وسمعوه ، ونادى له بالولاية ، ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب ،
وقد خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حذارا من قومه إلى الغار - لما أجمعوا أن يمكروا
به ، وهو يدعوهم - لما لم يجد عليهم أعوانا ، ولو وجد عليهم أعوانا
لجاهدهم . وقد كف أبي يده وناشدهم واستغاث أصحابه فلم يغث ولم
ينصر ، ولو وجد عليهم أعوانا ما أجابهم ، وقد جعل في سعة كما جعل
النبي ( صلى الله عليه وآله ) في سعة . وقد خذلتني الأمة وبايعتك يا بن حرب ، ولو وجدت
عليك أعوانا يخلصون ما بايعتك ، وقد جعل الله عز وجل هارون في سعة
حين استضعفه قومه وعادوه ، كذلك أنا وأبي في سعة حين تركتنا الأمة
وبايعت غيرنا ولم نجد عليهم أعوانا ، وإنما هي السنن والأمثال تتبع بعضها
بعضا .
أيها الناس ، إنكم لو التمستم بين المشرق والمغرب رجلا جده رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبوه وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم تجدوا غيري وغير أخي ، فاتقوا الله
الولاية — صفحة 188
مساهمون: ابن عقدة الكوفي
ص١٨٨